منتديات أئمة الأوقاف المصرية

بدأت اختبارت الإيفاد لشهر رمضان كما بدأت أيضا اختبارات رؤساء الأقسام ..,اليوم السابع الثلاثاء 25 مارس 2015 م : نتيجة مسابقة التفتيش خلال ساعات وإلى الآن لم تصدر ... أوقاف أون لاين فتح باب التقدم لمسابقة جديدة للتفتيش بالمديريات من يوم 15 إبريل 2015 ولمدة شهر ....خطبة الجمعة اليوم إن شاء الله بعنوان التضامن العربي وآفاق المستقبل ... .. " ,

إدارة منتديات أئمة الأوقاف المصرية



آخر المشاركات
شهادة الزور وكتمان شهادة الحق للشيخ / محمد حسان ..:||:.. الحكومة تلزم بصرف مرتبات العاملين بالدولة بالفيزا كارت ..:||:.. حملة لا للخمول لا للكسل للنهوض بالمنتدى ..:||:.. أئمة الأوقاف يوقعون على إقرار ببراءتهم من الإخوان وأي جماعات إرهابية ..:||:.. الي معالي الوزير رسالة مشفق وناصح ..:||:.. والحق أحق أن يتبع ..:||:.. خطبه بعنوان / كونو علي الخير اعوانا للشيخ /احمدالدفار ..:||:.. وقفات تأملية حول موضوعات الخطبة الموحدة الحالية ..:||:.. التضامن العربي وآفاق المستقبل للشيخ محمد داود ..:||:.. نص قانون الخدمة المدنية الجديد 2015 م ..:||:.. العلاوات التشجيعية ..:||:.. العلاوات الدورية ..:||:.. موقع هام جدا لحل مسائل الميراث مباشر ..:||:.. اكتب عنوان صفحتك على الفيس بوك ..:||:.. صفحة منتديات أئمة الأوقاف المصرية على الفيس بوك ..:||:.. سؤال فقهى عرض على ارجو الرد من ائمتنا الاجلاء ..:||:.. أسماء من لهم حق دخول امتحان رؤساء الأقسام بمديريات الوجه البحري ..:||:.. الي الاستاذ سعد ..:||:.. أسماء من لهم حق دخول التصفية النهائية لإيفاد شهر رمضان 1436 هـ 2015 ..:||:.. سؤال للاخوة الافاضل اعضاء المنتدى : متى ستعلن نتيجة التفتيش ؟ ..:||:.. الأوقاف :ضوابط صارمة للتصوير في المساجد ..:||:.. خطبة بعنوان: التضامن العربي وأثره في بناء المجتمع ( د/ خالد بدير) ..:||:.. 400 ناجح في مسابقة التفتيش والنتيجة خلال ساعات إن شاء الله ..:||:.. الأوقاف تعلن عن فتح باب التقدم لمسابقة (مفتش مساجد) بالمديريات الإقليمية ..:||:.. الأوقاف : تعليمات هامة بخصوص السفر للخارج ..:||:.. "كبار العلماء" تستنكر الحملة الضارية الموجَّهة إلى الأزهر الشريف ..:||:.. بعض الكتب التى تتناول الحديث عن صحابة رسول الله (( رضوان الله عليهم )) ..:||:.. ما هو عمل رئيس قسم المساجد الحكومية والأهلية بالإدارات ..:||:.. التضامن العربي وآفاق المستقبل للشيخ أحمد عبد النبي ..:||:.. هل من بديل؟ ..:||:.. الاستاذ/ سعد ..:||:.. بالقانون ..:||:.. المقال الاسبوعى /لفضيلة الشيخ محمود البرام من جريدو قلب مصر )(الشمس والقمرآيتان من آيات الله) ..:||:.. حقائق عن مسابقة الإيفاد الدائم والفرق بين الأوقاف والأزهر ..:||:.. خطب شهر جمادى الآخرة 1436هـ ..:||:.. متى ستظهر نتيجة تخلفات المقارئ ؟ ..:||:.. دور الأسرة في الحفاظ على استقرار المجتمع للدكتو رخالد بدير ..:||:.. ماهي مميزات وعيوب عمل الإمام في بلده؟ ..:||:.. أسئلة حول نقابة الأئمة تحتاج إلى إجابة ..:||:.. مسابقة القرآءه الحرة لعام 1436 هـ 2015 م للأئمة والجوائز حج وعمرة وجوائز مالية ومكتبات ..:||:.. مميزات العمل بالمناطق النائية ..:||:.. جدول الدروس اليومية بالمسجد ..:||:.. ما هى مميزات التفتيش ؟ ..:||:.. معاينة من جدول القوافل ..:||:.. القواعد المنظمة للقوافل ..:||:.. المنابر رسالة ومنهج ..:||:.. هيا بنا نلجأ الي الله ..:||:.. ادب الحوار مع الأب المسلم والأم المسلمة .........(الشيخ علاء الشال) ..:||:.. ادب الامامة ..:||:.. كنز موضوعات الخطب ..:||:..

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات أئمة الأوقاف المصرية، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .


منتديات أئمة الأوقاف المصرية » ۩╝◄وزارة الأوقاف [ أخبار وحوارات وإدارايات ]►╚۩ » ۩╝◄أخبار الوزارة والمديريات بالمحافظات►╚۩ » خطبة قيمة العمل فى الإسلام للشيخ سعد الشهاوى



خطبة قيمة العمل فى الإسلام للشيخ سعد الشهاوى

 ورد في الأثر: "أن خير الكسب كسب التجَّار، الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم


لا يمكنك الرد على هذا الموضوع لا يمكنك أضافة موضوع جديد

معلومات الكاتب
15-01-2015 01:48 صباحا
عضو متميز
rating
رقم العضوية : 1180
الحالة : offline
المشاركات : 119
الجنس : ذكر
الزيارات : 335
قوة السمعة : 23
الوظيفة : امام وخطيب



Share |
بسم الله الرحمن الرحيم


 ورد في الأثر: "أن خير الكسب كسب التجَّار، الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُمطلوا ". فالنبي عليه الصلاة والسلام حثنا على الكسب المشروع، وعلى التجارة الصادقة
 وقد شجع الإسلام على جميع الأعمال التي تدرّ على الإنسان بالرزق، سواء زراعة أو صناعة أو عملاً مهنيًّا أو تجارة، قال المصطفى وهو يحبّذ ويشجّع على التجارة: "تسعة أعشار الرزق في التجارة"، وروى الإمام أحمد في المسند أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أطيب الكسب عملُ الرجل بيده وكل بيعٍ مبرور".
 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ ))[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍصدقة.. مادام قد زرع زرعاً عمَّ الرخاء، وتوافرت حاجات الناس، ورخصت الأسعار، ومن كان في خدمة المسلمين كان في عبادة عالية جداً.
 
وقد ورد في الجامع الصغير، ورمز له السيوطي بعلامة الصحة:" من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له".


وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يرفع من شأن الحرفيين فيجيب دعوتهم، فعن أنس بن مالك قال: "إن خياطًا دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك الطعام، فقرب إليه خبزًا من شعير ومرقًا فيه دباء، ( الدباء ) القرع قال أنس: فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتتبع الدباء من حول القصعة، فلم أزل أحب الدباء بعد ذلك اليوم". متفق عليه.
قال النووي: "فيه فوائد، منها إباحة كسب الخياط"، وقال ابن حجر: "فيه دليل أن الخياطة لا تنافي المروءة"، قال العيني: "وفيه جواز أكل الشريف طعام الخياط والصائغ، وإجابته إلى دعوته".
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، فقال لغلام له قصاب -أي: جزار -: اجعل لي طعامًا يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- خامس خمسة، فإني قد عرفت في وجهه الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن هذا قد تبعنا، فإن شئت أن تأذن له فائذن له، وإن شئت أن يرجع رجع"، فقال: لا، بل قد أذنت له. قال النووي: "أي: يبيع اللحم، وفيه دليل على جواز الجزارة وحل كسبها".
وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يشيد بالمبدعين من أصحاب الصنائع ويوكلهم بالأعمال، فعن قيس بن طلق عن أبيه قال: بنيت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسجد المدينة فكان يقول: "قدموا اليمامي من الطين؛ فإنه من أحسنكم له مسًّا". رواه ابن حبان. وزاد أحمد: "وأشدكم منكبًا".
 
عبـــــــاد الله: لقد عظم الإسلام من شأن العمل مهما كان هذا العمل في المصنع أو في المتجر أو في المستشفى أو في الوزارة أو في السوق أو في بناء العمارات وتشييد المباني أو في الزراعة وحراثة الأرض، أو حتى كان العمل في حفظ الأمن وحراسة الأموال والأعراض أو حتى كان في القضاء والفصل بين الناس أو غير ذلك بل حتى عمل المرأة في بيتها لزوجها وأولادها فإنها تؤجر عليه.. فعلى قدر عمل الإنسان يكون جزاؤه, قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97]
 
أيها الإخوة: إن الكسب بقدر الكفاية لنفسه وعياله، وقضاء دينه، ونفقةِ من يجبُ عليه نفقتُه؛ فرضٌ من الفروض. ولا يجوز للقوي القادر أن يجلس، أو يسأل الناس، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ"[رواه أبو داود وصححه الألباني]. ثم إن الإنفاق على العيال أفضل الإنفاق على الإطلاق؛ فعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ" قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: "وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ راوي الحديث: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ"[رواهما مسلم].
 وقال صلى الله عليه سلم لسعد بن أبي وقاص ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ اللَّهِ إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تَجْعَلُ في في امْرَأَتِكَ ) البخاري (56) ومسلم (1628) أيها الإخوة: لقد سمى فقهاؤنا -رحمهم الله- حاجاتِ الأمةِ من الأعمال والصنائع والحرف فروضَ كفايات، وهي تشمل حراسة الأمن، ودواوين القضاء، وإجادة الأعمال، وامتهانَ الحرف، وكلَّ ما فيه عمران الأمة؛ صنوف متعددة لا يحسنها كلُ أحد، ولا يقوى عليها كلُ أحد، ولكن يحتاج إليها كلُ أحد، إنما هي مواهب وقدرات، وهمم متفاوتة، قسمها الله بين خلقه، ليتخذ بعضُهم بعضاً سخريا.
 
ولقد حثَّ الإسلام على الاحتراف والعمل والإنتاج ، ورغَّب فيه وشجّع عليه ، وصغَّر مِن شأن مَن يتهاون به، أو يحتقره ونوَّه القرآن بأعمالٍ كثيرةٍ في الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها ، ومما يدل على ذلك أن القرآن الكريم دعا إلى الصناعات التي هي من مقومات الحياة  كصناعة الحديد وما فيها من فوائد في الحياة  ، قال الله تعالى عن صناعة الحديد: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ }[الحديد: 25]
 وقال الله تعالى عن مهنة الحدادة: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف:96].
وقال تعالى عن صناعة التعدين: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) [سبأ:12]أي النحاس المذاب المستعمل في صنع الجفان والقدور.
 وقال سبحانه  في صناعة  الجلود : {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ}[النحل: 80].   ومن الصناعات  التي لا يستغني عنها الإنسان صناعة الملابس والكساء قال تعالى عنها: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}[النحل: 80]
 وقال تعالى في  صناعة  الكساء: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ }
 وقال تعالى في بناء المساكن: (وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) [الأعراف:74]. وقال تعالى في صناعة السفن قال: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ) [الرحمن:24]
وقال تعالى في في الصيد: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) [المائدة:94]، وقال تعالى في: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) [المائدة:96].
 وقال تعالى في البيع والتجارة قال: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)[البقرة:275]،  وقال تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ) [البقرة:282].                                                                                               وقال تعالى في الفلاحة والزراعة قال: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة:63-64].
والإشارات في كتاب الله كثيرة على هذه الأعمال المتنوعة.
وممَّا جاء الإسلامُ بتأكيده، والحثِّ عليه: العمل وبناءُ الأرض وعمارِتُها؛ فدعانا إلى أن نعمل إلى آخر لحظة من حياتنا وحتى لحظةَ قيام الساعة حتى لو لم ندرك ثمرة هذا العمل ، وما ذلك إلا  لبيان قيمة العمل وأهمية الإنتاج للأفراد والأمم  فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: "إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا "[[الأدب المفرد للبخاري ورواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح].في هذا الحديث تقديس للعمل، وأنه لا ينقطع العمل في إعمار الأرض حتى حين تنقطع الحياة كلها.
وقد  رأى شابٌّ شيخًا هَرِمًا يغرس شجرةً، فقال له: يا شيخ، لِمَ تغرس شجرًا قد لا تدرك ثمرتها إلا بعد سنين؟ فردَّ عليه الشيخ: يا هذا، غرَس مَن قبلنا فأكلنا، ونحن نغرس ليأكل من بعدنا.
 
واعلموا -معاشر الشباب- ويا من يشكي من البطالة، وقلَّة الوظائف، ويا من يشمئزُّ من الحرف اليدوية، والتجارةِ الحرّة، اعلموا: أنَّ أنبياء الله -عليهم السلام-مع عُلُوِّ درجتهم ونبْل مكانتهم، وشرف رسالتهم كانوا يمتهنون حِرَفًا وأعمالاً، فسيدنا نوحٌ -عليه السلام-  مارس مِهْنةَ صناعة السفن: قال تعالى في حق نبي الله نوح في صناعة السفينة: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) [هود:37]. وقال تعالى {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}[المؤمنون: 27]
وسيدنا داود -عليه السلام- كان خليفةً في الأرض، ومع ذلك كان لا يَأْكُلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، فأصبح حدَّادًا يصنع الدروع من الحديد وهي مهنة سيدنا داود (عليه السلام)  قال تعالى(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ)[الأنبياء:80]، يعني صنعة الدروع. قال ابن حجرٍ -رحمه الله-: "الذي كَانَ يَعْمَلُهُ دَاوُدُ بِيَدِهِ: هُوَ نَسْجُ الدُّرُوعِ، وَأَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَ، فَكَانَ يَنْسِجُ الدُّرُوعَ وَيَبِيعُهَا، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ، مَعَ كَوْنِهِ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُلُوكِ، قَالَ تعالى-: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) [ص: 20]" انتهى كلامه وقال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ‌ فِي السَّرْ‌دِ}[سبأ:10 ، 11] وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" رواه البخاري.
ونبيُّ الله موسى -عليه السلام-: أجَّر نفسه راعيًا للغنم عشر سنين عشر حجج عمل أجيرًا عند الرجل الصالح وراعيَ غنمٍ ، لكي يُعفّ نفسه ويصونَها، بزواجه من ابنة الرجل الصالح في مدين. قال تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ) [القصص: 27]، فتزوج ابنته وعمل عنده عشر سنين.
ونبيُّ الله زَكرِيّا -عليه السلام- كَانَ نَجَّارًا، كما في صحيح مسلم، فكان يصنع ويُصلح الأخشاب قال -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ زَكرِيّا -عليه السلام-   نَجَّارًا" رواه مسلم؛ قال الشيخ العثيمين: وهذا يدل على أن العمل والمهنة ليست نقصًا؛ لأن الأنبياء -عليهم السلام-  كانوا يمارسونها.
بل وجميعُ الأنبياء -عليهم السلام-، وفي مُقدِّمتهم سيدنا محمدٌ خيرٌ الأنام صلَّى الله عليه وسلَّم: كانوا رُعاةً للغنم، قَالَ صلى الله عليه وسلم: "مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ" فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ"[رواه البخاري]. سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم المبعوث رحمة للعالمين، عمل عملاً لا يرضى الآن أحد أن يعمل به، عمل راعي غنم.
ونبينا محمد-صلى الله عليه وسلم- خير الأنبياء رعى الغنم في صباه، وعمل -صلى الله عليه وسلم- أيضاً في التجارة، فخرج إلى الشام في تجارة عمه وزوجه خديجة -رضي الله عنها في شبابه،وقد كان النبيُّ ( صلَّى الله عليه وسلَّم ) يعمل بنفسه، ويقوم على خدمة أهله  ، قالت عائشة (رضي الله عنها): "كان رسول الله ( صلَّى الله عليه وسلَّم ) يَخصِفُ نعله، ويَخيط ثوبَه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدُكم في بيته"[أخرجه  أحمد والترمذي].
قال ابن القيم -رحمه الله- إن النبي-صلى الله عليه وسلم- باع واشترى، وآجر واستأجر، وضارب وتوكل، ووهب واستوهب، واستدان واستعار، وضمن عامًّا وخاصًّا، ووقف وشفع، ولم يعتب ولم يغضب، وحلف واستحلف، ومازح وورَّى ولم يقل إلا حقًّا، وهو الأسوة والقدوة-صلى الله عليه وسلم-.
 
وذكر الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن سيدنا داود كان زرَّاداً،( حدّادا) - يصنع الزرد والدروع - وكان آدم حرَّاثاً، وكان نوح نجَّاراً، وكان إدريس خياطاً، وإبراهيم ولوط كانا يعملان في الزراعة، وكان موسى راعياً،
وصالح تاجرا،وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله تعالى عليهم رعاة للأغنام
 
وهاهم أفضل وأكرم الخلقِ بعد الأنبياء، الصحابة- رضي الله عنهم-، عملوا فكان، منهم الراعي والكاتب والخادم والتاجر والخياط والحلاق والنبَّال والسقَّاء والفلاّح وغيرها كثير. فكانوا تُجَّاراً في الأسواق، ومُنشغلين بالبيع والزراعة وجلبِ الأرزاق، قَالَ أَبو هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: "يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ: كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ"[متفق عليه].
قال ابن بطالٍ -رحمه الله-: في هذا الحديث: "عمل الصحابة في الحرث والزرعِ بأيديهم، وخدمةُ ذلك بأنفسهم، وأنَّ الامتهانَ في طلب المعاش للرجال والنساء: مِن فعل الصالحين، وأنه لا عار فيه ولا نقيصةَ على أهل الفضل" انتهى كلامه.
ولقد كان سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- أتجر قريش، وكان سيدنا عمر -رضي الله عنه- يقول: "يا أيها الناس: كتب عليكم أن يأخذ أحدكم ماله فيبتغي فيه من فضل الله -عز وجل-؛ فإن فيه العبادة والتصديق، وايم الله، لأن أموت في شعبتي رحلي، وأنا ابتغي بمالي في الأرض من فضل الله، أحب إليّ من أن أموت على فراشي".وما قتل الخليفة الراشد سيدنا عثمان -رضي الله عنه- حتى بلغت غلة نخله مائة ألف. وقال سيدنا عبد الرحمن بن عوف: "يا حبذا المال، أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي".
 
وسيدنا عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي الله عنه- حينما أَرَاد أَنْ يتزوج فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وليس عنده مالٌ ولا وظيفة، إنما كَانَتْ له ناقتان، فبدأ يعمل ويُتاجر بهما، فيحمل عليهما المتاعَ ويبيعه في السوق؟. وهكذا كان الأفاضل من التابعين والصالحين، مع اهْتمامهم بأمور الآخرة، إلا أنهم كانوا يُمارسون الحرف والتجارة، ولا يرونها عيباً ومهانة. قال سفيان الثوري -رحمه الله-: "عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال".وقد كان كبار الصحابة، وزُهُّادُهم وعُلماؤهم: يعملون بالتجارة، ويسعون إلى تنميةِ أموالهم
روى البخاري في صحيحه أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- دَعَا لعَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ بالبركة، وكَانَ يَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ -رضي الله عنهما-، فَيَقُولَانِ لَهُ: أَشْرِكْنَا في تجارتك؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَفعل ذلك وأشْرَكَهُمْ. وهم يفعلون ذلك؛ لما علموه من منافع الأموال وفائدتِها، والضررِ المترتِّب عند الحاجةِ إليها
وكان علماء المسلمين يعملون بأيديهم، رغم أنهم قادة وأساتذة وأدباء، لا يجدون غضاضة في ذلك ولا عجب إن رأينا أئمة الإسلام، وأكابر علمائه، الذين سارت بذكرهم الركبان، والذين خلدتهم آثارهم، ومؤلفاتهم، كانوا لا يُنسبون إلى آبائهم وأجدادهم، بل إلى حرفهم وصناعاتهم، التي كانوا يتعيشون منها، ولم يجدوا هم كما لم يجد مجتمعهم الإسلامي على مرّ العصور أية غضاضة في ذلك، أو أية مهانة في الانتساب إلى تلك الحرف والصناعات
واشتهرت أسماؤهم بأسماء مهنهم وحرفهم، فمنهم: الخشَّاب بائع الخشب والحدَّاد (صانع يحمي الحديد و يطرقه لتشكيله بحسب الشكل المطلوب) والصوَّاف بائع الصوف والخصَّاف (( الخصاف من يخصف النعال) والعلَّاف (بائع العلف) والقطَّان (من يتجر بالقطن) والطحَّان (الذي يعمل في الطاحونة يطحن الطحين)  والبقَّال( بائع البقول و نحوها والبصَّال (بصل) والقفَّال (من يصنع الأقفال أو يبيعها) والبزَّاز (بائع البزور) الخياط (من حرفته الخياطة) الصبان (صانع الصابون وبائعه) والجمَّال (صاحب الجمل و العامل عليه) والنجَّار (من حرفته نجر الخشب وصنعه )والبنَّاء( من حرفته البناء) والجصَّاص (الجصاص ) صانع الجص و بائعه  والجص  من مواد البناء) والخواص (الخواص  بائع الخوص و الذي يعمل الأشياء منه  من ورق النخل و المقل)  والغَزَّالي (صناعة الغَزْل) والإسْكَافي (يصلح الأحذية) والآجُرِّي (صناعة الآجُرِّ) والقُدُوْرِي (صناعة وبيع القُدُور) والبَاقِلَّاني (بيع الباقلاء)، والمَاوَرْدِي (صنع وبيع ماء الورد). كلهم من كبار العلماء، الذين سارت بذكرهم الركبان، وخلدتهم مؤلفاتهم، وإنتاجهم العلمي، ولعل من السلف الصالح من علماء دمشق من كان نجاراً، ومن كان قصَّاباً وهو من أئمة القرَّاء، ومن كان حداداً، هذا شيء يرفع من قيمة العلم، بل إن الإمام أبا حنيفة النعمان كان تاجر أقمشة.
 
فيا معاشر الشباب: هؤلاء الأنبياء والمرسلون، والصحابة المتقون، والسلف الصالحون، منهم النجارون والمزارعون، ورُعاةُ الأغنام والنَّسَّاجون، ولم يزدهم ذلك إلا رفعة في الدنيا والآخرة، ولم يترفعوا عن هذه الأعمال، فما بالكم تترفعون عنها وتشمئزُّون منها، وترضون بالبطالة. فهل يعي شبابُنا هذا الْمَبدأ، وهو أنْ يعملوا ويَجِدُّوا في طلب المال، ليُحصِّنوا أنفسهم، ولا ينتظروا الوظائف الرسمية، ولا الأعمال الحكومية، فما بالهم يتأخرون عن الزواج، وإحصانِ فرجهم، بدعوى البطالةِ وعدمِ الوظيفة؟
فأين هم مِن نبيِّنا وقُدْوتِنا -صلى لله عليه وسلم-، الذي كان يُتاجر في مال خديجة -رضي الله عنها- أيَّام شبابه، ليتحصل على مالٍ يُغني به نفسه، ويُقدِّمُه مهراً لزواجه؟وأين هم مِن موسى -عليه السلام - الذي كان يُؤجِّر نفسه راعيًا للغنم عشر سنين0
واعلموا -معاشر المسلمين-: أنَّ تقاعُس شبابنا عن العمل، بحجة عدمِ مُلاءمته لهم، سببٌ رئيسيٌّ في انتشارِ البطالة، مِمَّا زاد في مُعدَّلات الجريمة، بسبب الفراغ والحقد على الدولة وأصحابِ الأموال. ومن الجهل والحماقة: أنْ ينظُر بعض الناس نحو الحِرَفِ اليدويةِ: نظرةً دُونيَّةً ازدرائيةً. فهل يليق بأنْ نَصِفَ من يعملُ في رفع القُمامة، وإماطةِ الأذى، وتنظيفِ الطُرقات والْممرات، يبتغي من ذلك إطعامَ أطفاله، أو إعفافَ نفسه: هل يليق بأنْ نَصِفَه بصفاتٍ قبيحة، ونَنْظُرَ إليه نظرةَ احتقارٍ وازدراء؟. ما ذا لو امْتَنَعُوا عن العمل، كيف ستكون شوارعنا وطُرُقاتُنا، وسنعرف حينها قيمة ما عملوه لِمُجْتَمَعِنا؟
 
ومشكلة البطالة.مشكلة اجتماعية خطيرة على الفرد والمجتمع وتعرَّف البطالة بأنها الحالة التي يكون فيها الشخص قادرًا على العمل وراغبًا فيه ولكن لا يجد العمل والأجر المناسبين، أو لا يريد الانخراط فيه. وأكاد أجزم أنه لا يوجد بيت في هذه المدينة إلا وفيه شاب أو شابان أو أكثر نائم عند أهله لم يجد عملاً أو لا يريد عملاً، وهذه المشكلة على مستوى عالمي وعربي، فلقد تفشت البطالة في الوطن العربي حتى بلغ عدد العاطلين عن العمل في الوطن العربي ستة عشر مليون شخص، ويتوقع أن تصل إلى ثمانين مليون شخص بحلول عام 2020م.
عباد الله: ومما لا شك فيه أن البطالة هي المسئولة عن ارتفاع معدلات الجريمة والانحراف في أي مجتمع؛ ولذلك فإنها مشكلة تؤرق العالم أجمع، فقد أشارت دراسة إلى وجود درجة مقبولة من الارتباط بين هذين المتغيّرين، فكلما زادت نسبة البطالة ارتفعت نسبة الجريمة.ومن أهم ما ورد في تلك الدراسة أن جريمة السرقة تعد من أبرز الجرائم المرتبطة بالبطالة، وأكدت هذه الدراسة أيضًا أنه كلما ازدادت نسبة البطالة ازدادت الجرائم التي تندرج تحت الاعتداء على النفس: كالقتل الاغتصاب السطو والإيذاء الجسدي. ولا يمكن القول أو الحكم هنا بأن البطالة هي السبب المباشر للجريمة، وإلا صار كل عاطل وكل فقير مجرمًا، وهذا أمر مرفوض ولا يحتاج إلى أي تدليل عليه، وإنما نقول: إن البطالة تحتوي على بذور الجريمة إذا صاحبتها عوامل معينة بظروف معينة.
أما المخدرات فإن مرتعها هم الشباب العاطلون، وحدّث ولا حرج عما يحدث منهم في استخدام وترويج هذا البلاء وما يتبعه من مفاسد ومشاكل وجرائم.عباد الله: آثار البطالة على الأسرة تتمثل في فقد رب الأسرة، والشعور بعدم القدرة على تحمل المسؤولية والتوتر والقلق، أما آثارها على المجتمع فتتمثل في تعطّل طاقات قادرة على الإنتاج، وتفقد العاطلَ الدخل؛ ما ينتج عنه اجتماعيًا الشرور والجرائم نتيجة الفراغ والقلق، فتجده ينقم على غيره. وصحيًّا تفقده الحركة، ونفسيًّا يعيش في فراغ قاتل.
يا أيها الشباب، يا من يسمع كلامي أو يسمع به: إنه لا مكان في هذه الأيام لمن لم يهتمّ بنفسه، لا مكان لمن لم يعدّ نفسه، لا مكان لمن لم يكن جادًّا، لا مكان للمستهترين، إن سوق العمل تجاوزك. يا من يريد الراحة والكسل والدعة: لا مكان لك فإنك ستكون من العاطلين الباطلين، فابحث لنفسك عن حرفة وتعلّمها، وطوّر نفسك فيها وارفع من شأنك؛ فإن قيمة كل امرئ ما يحسن، والحَقْ لا يفتك الركب.
عباد الله: إن البطالة مشكلة اقتصادية واجتماعية وإنسانية ذات خطر، فإذا لم تجد العلاج الناجح تفاقم خطرها على الفرد وعلى الأسرة وعلى المجتمع، يقول الراغب الأصفهاني -رحمه الله-: "من تعطّل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى". وورد في بعض الآثار: "إن الله يحب المؤمن المحترف ويكره البطال".
ولقد عالج الإسلام ظاهرة البطالة بوضع مجموعة من القواعد والتنظيمات لمعالجة ظاهرة البطالة، ومن أجل الحثّ على العمل والبعد عن المسألة، وفي هذا ردّ على الذين يتهمون الشريعة الإسلامية بأنها تحبّذ جانب الفقر على الغنى
شبابَنا: لا تأنفوا من أي عمل شريف، فقد سمعتم ما قال نبيكم في ذلك، وكيف حثّكم على العمل، فكم هي المحلات التجارية التي تريدكم والأعمال المهنيّة الشريفة التي يحتاجها البلد من نجارة وحدادة وكهرباء للمنازل والسيارات وغيرها من الأعمال والتي قد تتعلمونها وتحسنونها.
وإذا كان العمل يُلْبِسُ أهله لباس الاستغناء والكرامة، فإن للبطالة ثوبُ حقير فضفاض؛ يقول عمر -رضي الله عنه-: "أرى الفتى فيعجبني فإذا قيل لا حرفة له سقط من عيني".ويقول أيضاً: "مَكْسَبَةٌ فيها دناءة خيرٌ من مسألة الناس". ويأبى الرجال، أصحاب الهمم العالية، الرضا بالدون من العيش، حتى لو وجدوا ما يكفلُ لهم معاشهم
 هاهو عبدُ الرحمن بنُ عوف -رضي الله عنه- لا يقبل عرض أخيه من الأنصاري سعد بن الربيع، ليشاطره ماله، بل قال: "دلوني على السوق" فنزل فعمل في التجارة، حتى أصبح من أغنياء الصحابة، ينفق على الجيوش في سبيل الله، ويسير القوافل لنصرة دين الله.إن البطالة -أيها الأحبة-: تجعل صاحبَها كلّاً على غيره، يتنكرُ له العارفون ويستثقله حتى الأقربون، تنفكُ من حوله الأواصر، وتنقطعُ الصلات، إنها مصيبة تحترق في سعيرها الفضائل والمصالح وتذوب في مضاعفاتها الأفراد والجماعات.
 
أيها الإخوة: إن الجد والنشاط في العمل من أعظم الأعمال وأجلها إذا صلحت النية، واسمعوا إلى هذا الموقف العجيب؛ أيها الإخوة: إن على الآباء والمربين، ومن ولي أمر المسلمين: أن يرشدوا الشباب العاطلين عن العمل إلى سبل الرزق، وأن يبينوا لهم طرقها، وأن يغرسوا فيهم حب العمل، وأن الكسب يحتاج إلى صبر ومثابرة، وحسن تدبير
وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستعيذ بالله من العجز والكسل، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ) [ أخرجه مسلم ].
ومن ثَمَّ كان ترغيب الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في العمل ونهيه عن البطالة والكسل، فعن أبي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) يَقُولُ :  قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَه» [ أخرجه البخاري] ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ( رضي الله عنهما ) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) عَنْ أَطْيَبِ الْكَسْبِ، فَقَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٌ» [أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير ]. وعَنِ الْمِقْدَامِ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) عَنْ رَسُولِ (صلى الله عليه وسلم) اللهِ قَالَ : “مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ” أخرجه البخاري. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) :”إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنُوبًا لا تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَلا الصِّيَامُ وَلا الْحَجُّ وَلا الْعُمْرَةُ”،  قَالُوا: فَمَا يُكَفِّرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:”الْهُمُومُ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ”أخرجه الطبراني، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ : « السَّاعِى عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ – وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَكَالْقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لاَ يُفْطِرُ» متفق عليه.
وعن عبد الله بن عباس عن أبيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له". أخرجه الطبراني في الأوسط، وعن عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم". أخرجه الترمذي في سننه، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خير الكسب كسب العامل إذا نصح". أخرجه أحمد في مسنده.
 
 
أيها المسلمون: إنَّ طلب الحلال وتحريه أمر واجب وحتم لازم فلا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ . قال لقمان الحكيم لابنه يوما: يا بني، استعن بالكسب الحلال؛ فإنه ما افتقر أحد قــط إلا أصابه ثلاث خصــال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته؛ وأعظم من هذه الخصــال: استخفاف الناس به
 إنَّ حقاً على كل مسلم ومسلمة أن يتحرى الطيب من الكسب والنزيه من العمل ليأكل حلالاً وينفق في حلال, وتأملوا رحمكم الله في حال الصديق رضي الله عنه فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت كان لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ له الْخَرَاجَ وكان أبو بَكْرٍ يَأْكُلُ من خَرَاجِهِ فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ منه أبو بَكْرٍ فقال له الْغُلَامُ تدري ما هذا فقال أبو بَكْرٍ وما هو قال كنت تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ في الْجَاهِلِيَّةِ وما أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ إلا أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ فَهَذَا الذي أَكَلْتَ منه فَأَدْخَلَ أبو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ في بَطْنِهِ " البخاري (3629) وفي رواية قال" إن كدت أن تهلكني فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ وجعلت لا تخرج فقيل له إن هذه لا تخرج إلا بالماء فدعا بطست من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها فقيل له يرحمك الله أكلَّ هذا من أجل هذه اللقمة ؟ قال لو لم تخرج إلَّا مع نفسي لأخرجتها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به " فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة . حلية الأولياء (ج1 ص31) وقيل أدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ظنَّ أن نفسه ستخرج، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء.
ومن ذلك -أيضاً- ما رواه عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر ، فكانت له ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبناً أنكره، فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فخليت لك ناقة من مال الله، فقال: ويحك تسقينى نارًا فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر ، حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك، ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر، بل انظر كيف فرَّق- بحلاوة إيمانه ومذاقه- بين طعم الحلال وبين ما فيه شبهة.
 
إن تحري الحلال له تأثير على نفسك وجميع جوارحك، قال سهل رضي الله عنه: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم؛ ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات. وقال بعض السلف: إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه، ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر.
عباد الله: حق عليكم تحري الحلال واتقوا الله جميعاً في أنفسكم وفي أولادكم لا تطعموهم الحرام فإنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على حر النار توصي بعض الصالحات زوجها فتقول: " يا هذا اتقي الله في رزقنا فإنَّنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار "
 
أولئك هم الصالحون يخرجون الحرام والمشتبه من أجوافهم وقد دخل عليهم من غير علمهم , ثمَّ خلفت من بعدهم خلوف يعمدون إلى الحرام ليملئوا به بطونهم وبطون أهليهم وأولادهم لا يبالون بما اخذوا من الحرام فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ" البخاري (1954)


وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" مسلم (1015 ))[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

أيها المسلمون: أرأيتم ذلك الرجل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقال عنه يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ يا رَبِّ يا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)

لقد استجمع هذا الرجل من صفات الذلة والمسكنة والحاجة والفاقة ما يدعوا إلى رثاء حاله ويؤكد شدة افتقاره ويؤهله لاستجابة دعوته فقد تقطعت به السبل وطال عليه السفر وتغربت به الديار وتربت يداه وأشعثَّ رأسه واغبرَّت قدماه ولكنَّه قطع صلته بالله وحرم نفسه من مدد خالقه ومولاه فحيل بين دعائه وبين القبول لأنَّه أكل الحرام وشرب الحرام واكتسى من الحرام ونبت لحمه من الحرام فردت يداه خائبتين وأيُّ لحم نبت من سحت ـ أي حرام ـ فالنار أولى به .
أيها المسلمون : قولوا لي بربكم ماذا يبقى للعبد إذا انقطعت صلته بربه وحجب دعائه وحيل بينه وبين القبول والرحمة ؟ لمثل هذا قال وهيب بن الورد:" لو قمت في العبادة قيام هذه السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أم حرام" حلية الأولياء ج 8 ص154
 إنَّ العجب كلَّ العجب ممن يحتمي من الحلال مخافة المرض لنصح طبيب ولا يحتمي من الحرام مخافة النار وقد نصحه أرحم الراحمين ونصحه بعده أصدق الخلق أجمعين .


أيها المسلمون إنَّ أكل الحرام يعمي البصيرة ويضعف الدين ويقسي القلب ويظلم الفكر ويقعد الجوارح عن الطاعات ويوقع في حبائل الدنيا وغوائلها ويحجب الدعاء ولا يتقبل الله إلَّا من المتقين , وإنَّ للمكاسب المحرمة آثار سيئة على الفرد والمجتمع تنزع البركات وتفشوا العاهات وتحل الكوارث ـ أزمات مالية مستحكمة وبطالة متفشية وتظالم وشحناء إذا كان الكسب من حرام ـ فويل ثمَّ ويل للذين يأكلون الحرام ويتغذَّون بالحرام ويربُّون أولادهم وأهليهم على الحرام إنَّهم كالشارب من ما البحر كلما ازدادوا شرباً ازدادوا عطشا , شاربون شرب الهيم لا يقنعون بقليل ولا يغنيهم كثير يستمرؤن الحرام ويسلكون المسالك المعوجة من ربا وقمار وغصب وسرقة وغش واحتيال , تطفيفٌ في الكيل والوزن وكتمُ للعيوب , سحرٌ وتنجيم وشعوذة وأكلٌ لأموال اليتامى والقصار وانتهابٌ لأموال العمال بغير حق , أيمانٌ فاجرة ولهو وملاهي , مكرٌ وخديعة ، زورٌ وخيانة , رشوةٌ وتزوير وطرقٌ مظلمة كثيرة  
أيها العمال والموظفون، أيها الصناع والتجار، أيها السماسرة والمقاولون، أيها المسلمون والمسلمات، إياكم أن يكون طلبكم للرزق مفضياً إلى الكسب الحرام من ربا أو غش أو خداع أو قمار أونحوها مما يتحصل به على الحرام. وإياكم أن تكون هذه الأرزاق من الله لكم سبيلاً للفساد في الأرض أو الصدود عن سبيل الله، أو منع ما أوجب الله.
 
عبــــــاد الله: وإذا كان العمل بهذه الأهمية والمكانة فإن له آداباً وواجباتٍ ينبغي لكل مسلم أن يلتزم بها وهو يقوم بأي عمل من الأعمال، فعليه ابتداء أن يتقن عمله، وتلك صفة عظيمة في حياة المؤمن؛ فالإسلام يَحُضُّ على إحسان العمل وزِيادة الإنتاج والاجتهاد ، ويعدُّ ذلك أمانة ومسؤوليَّة في عنق العامل أو الموظف، فليس المطلوب في الإسلام القيام بالعمل فحسب ، بل لا بُدَّ من الإخلاص والإتقان  والإجادة فيه وأدائه بكل أمانة؛ فذلك سبب  للوصول إلى محبَّة الله  تعالى ، ومن أحبه الله هداه واجتباه،  وحفظه ووقاه وأسعده  في الدنيا والآخرة لذلك كانت مطالبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالإتقان في الأعمال، فعن عائشة (رضي الله عنها) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (" إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ "( السلسلة الصحيحة (1113)ورواه البيهقي في الشعب )
فالإتقان سمة أساسية في الشخصية المسلمة يربيها الإسلام فيه منذ أن يدخل فيه، وهي التي تحدث التغيير في سلوكه ونشاطه، ولأن كل عمل يقوم به المسلم بنيّة العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه سواء أكان عمل دنيا أم آخرة؛ قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162-163]
وبالعمل المتقن نتبوأ الصدارة بين الأمم، والله سبحانه وتعالى يحب اليد التي تعمل وتجدّ لتقدم الخير لنفسها ودينها ووطنها، وتقدم الأمة في الصناعات المختلفة وريادتها في الأعمال المبتكرة يحقق لها الحصانة  من الأعداء المتربصين بها ، والطامعين في ثرواتها وخيراتها فإتقان العمل وإحسان أدائه من الواجبات الشرعية التي دعا إليها الإسلام 
ومن آداب العمل في الإسلام أن يكون العامل قويًّا أمينًا، والقوة تتحقق بأن يكون عالمًا بالعمل الذي يسند إليه، وقادرًا على القيام به، وأن يكون أمينًا على ما تحت يده، قال الله -تعالى-: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ([القصص:26].
وأن يكون العاملُ بعيداً عن الغش والتحايل؛ فالغش ليس من صفات المؤمنين، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من غش فليس مني" رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وقد مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برجل يبيع طعاما "حبوبا"، فأدخل يده فيه فرأى بللا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟"، قال: أصابته السماء، أي: المطر، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غشنا ليس منا" رواه مسلم.
ومن القِيَم التي ينبغي الالتِزام بها في العمل أو المهنة  الحرصُ على أداء الواجبات قبلَ المطالَبة بالحقوق، فهذا ما ينبغي أنْ يكون عليه خُلُقُ المسلم ، سواء أكان عاملاً أم تاجرًا أم موظفًا أم زارعًا ، أم طبيبًا أم مهندسًا أم سائقًا فيؤدي ما عليه من واجبات، ثم يُطالِب بعد ذلك بحقوقه ، ذلك أنَّ  أداء الواجب هو في الحقيقة حقٌّ للطرف الآخر.
  ولا حق بدون واجب، ولا كسب بلا تعب وجهد ،فقد ربط الإسلام بين الحقوق والواجبات وبين المكاسب والتضحيات، وقد  حدد الإسلام ما  ينبغي على العامل أن يتحلي به من  القيم الإيمانية والأخلاقية ، ومنها الإيمان بأن العمل عبادة وطاعة لله (سبحانه وتعالى)  وأن الله تعالى سوف يحاسبه يوم القيامة عن عمله قال الله تعالى : {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[التوبة: 91].
ومن الآداب والواجبات على العامل المسلم الالتزام بالمواعيد، والنصح لصاحب العمل، وتحري الحلال، والبعد عن الأعمال المحرمة. ويجب على العامل أن يحفظ أسرار عمله، فلا يتحدث إلى أحد خارج عمله عن أمورٍ تعتبر من أسرار العمل، وعليه أن يلتزم بقوانين العمل. ويجب على العامل أيضا أن يحافظ على أداء الصلوات، وإيتاء الزكاة، والقيام بسائر العبادات على أكمل وأحسن وجه، بل إن ذلك من أسباب الحصول على الرزق والتوسعة فيه، قال -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طـه:132]. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ''ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله'' رواه مسلم.
 أحد المهندسين المغاربة سافر إلى بريطانيا ليعمل في مصنع للسيارات وكان ماهرًا في عمله وعنده الوثائق اللازمة للعمل فلما قدم أوراقه وقبلوه اشترط عليهم أن يذهب خمس دقائق عند ما يحين وقت الصلاة ليصلي ... رفضوا في أول الأمر ثم وافقوا على مضض لحاجتهم إليه وبعد أخذ ورد استلم عمله فكان نعم العامل المنضبط والمجتهد والمتقن لعمله فأعجب به مدير المصنع حتى إنه كان إذا حان وقت الصلاة يذهب بنفسه إلى هذا المهندس ليقول له حان الآن وقت الصلاة .. إنه من عمل شيئًا لله أعطاه الله خيرا كثيرا ورزقه من حيث لا يحتسب وحببه إلى قلوب خلقه..
ومن هذه الآداب عدم استغلال العمل والمنصب لأجل تحقيق مصلحة شخصية (لنفسه أو قرابته) دون وجه حق شرعي أو قانوني.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (رواه أبو داود)..
 
ومن هذه الآداب الالتزام بالاستمرار، والتبكير إلى العمل، حيث يكون النشاط موفورًا، وتتحقق البركة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" رواه الترمذي وابن ماجه. هذه آداب العمل وواجبات العامل في الإسلام، وغيرها كثير، فيها الراحة والسعادة والأمن والأمان للفرد والمجتمع، وفيها رضا الله، وسعة رزقه، وتتابع بره، وحلول بركته
عبــــــــاد الله: نظم الإسلام العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وجعل لكلِّ منهما حقوقًا وواجبات فقد ضمن الإسلام حقوقًا للعامل يجب على صاحب العمل أن يؤديها له، ومنها
الحقوق المالية: وهي دفع الأجر المناسب له، قال الله تعالى: ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [هود: 85]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ » [))ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ] فلا يُحرم عامل في الإسلام جزاء عمله، وثمرة جهده، بل يُعطى أجره قبل أن يجفَّ عرقه، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أعطوا الأجير أجراً، أي أجر، قد يكون هذا الأجر ليس في مستوى عمله، ولكن أعطوا الأجير أجره أي الأجر الذي يستحقه، الأجر الذي يكافئ عمله، الأجر الذي يكافئ جهده، الأجر الذي يكافئ إتقانه. ( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ)ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]أمر الإسلام أن يُعطى المسلم الأجر المناسب لجهده، وكفايته، وخبرته النادرة، وحاجته بالمعروف، فلا بخس ولا شطط، لأنه إذا أعطي أقل مما يستحق فقد ظلم، والظلم من أشد المحرمات في الإسلام
 وروي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر, ورجل باع حرا فأكل ثمنه, ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره». البخاري
 ومن ذلك الحقوق البدنية: وهي الحق في الراحة، قال تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) [البقرة: 286]. ولا يجوز إرهاق العامل إرهاقًا يضر بصحته ويجعله عاجزًا عن العمل، ولقد قال سيدنا شعيب لسيدنا موسى عليهما السلام حين أراد أن يعمل له في ماله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) [القصص: 27]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فلْيطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» [متفق عليه].
وكذلك يجب على صاحب العمل أن يوفر للعامل ما يلزمه من رعاية صحية... وأن يمكن العامل من أداء ما افترضه الله عليه من طاعة كالصلاة والصيام، فالعامل المتدين أقرب الناس إلى الخير ويؤدى عمله في إخلاص ومراقبة وأداء للأمانة، وصيانة لما عهد إليه به وليحذر صاحب العمل أن يكون في موقفه هذا ممن يصد عن سبيل الله ويعطل شعائر الدين قال تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [إبراهيم: 3].هكذا أعز الإسلام العامل ورعاه وكرمه، واعترف بحقوقه لأول مرة في تاريخ العمل، بعد أن كان العمل في بعض الشرائع القديمة معناه الرق والتبعية، وفي البعض الآخر معناه المذلة والهوان.. فالتزموا رحمكم الله بآداب العمل وقوموا بحقوق العمال واشكروا ربكم على نعمه الغزار تفلحوا في الدنيا والآخرة.
عبـــــــاد الله: عندما كان المسلمون يتعاملون بهذه القيم وبهذه الأخلاق كان العامل المسلم في أي مجال من مجالات العمل يستشعر هذه المسؤولية وهذه الأمانة ويقوم بواجبه على أكمل وجه، لا تغره المناصب ولا تستهويه وتفسده الأموال. لقد دعا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سعيد بن عامر الجمحي إلى مؤازرته وقال: يا سعيد، إنا مولوك على أهل (حمص). فقال سعيد: يا عمر، ناشدتك الله ألا تفْتِنِّي. فغضب عمر وقال: ويحكم! وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني؟! والله لا أدعك. ثم ولاه على (حمص)، ثم مضى إلى حمص، وما هو إلا قليل من الزمن حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص، فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسدّ حاجتهم، فرفعوا كتابا؛ فإذا فيه: فلان وفلان وسعيد بن عامر، فقال: ومَن سعيد بن عامر؟! فقالوا: أميرنا! قال: أميركم فقير؟! قالوا: نعم، ووالله إنه ليمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار، فبكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته. ولم يمض على ذلك طويل وقت حتى أتى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ديار الشام يتفقد أحوالها، فلما نزل بـ(حمص) لقيه أهلها للسلام عليه، فقال: كيف وجدتم أميركم؟ قالوا: نعم الأمير يا عمر! إلا أنهم شكوا إليه ثلاثاً من أفعاله، كل واحد منها أعظم من الآخر! قال عمر: اللهم لا تخيب ظني فيه. وجمعهم به، ثم قال: ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، فقال عمر: وما تقول في ذلك يا سعيد؟ فسكت قليلا، ثم قال: والله إني كنت أكره أن أقول ذلك، أما وإنه لا بد منه، فإنه ليس لأهلي خادم، فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم، ثم أتريث قليلا حتى يختمر، ثم أخبزه لهم، ثم أتوضأ وأخرج للناس. قال عمر: وما تشكون منه أيضا؟ قالوا: إنه لا يجيب أحدا بليل، قال عمر: وما تقول في ذلك يا سعيد؟ قال: إني والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضا، فإني قد جعلت النهار لهم ولربي الله الليل. ثم قال عمر: وما تشكون منه أيضا؟ قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمن في مجلسه، قال عمر: وما هذا يا سعيد؟! فقال: شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك، ورأيت قريشاً تقطع جسده وهي تقول: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ فيقول: والله ما أحب أن أكون آمنا في أهلي وولدي، وأن محمدا تشوكه شوكة. وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي، وأصابتني تلك الغشية. عند ذلك قال عمر: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيك. هذا هو العمل، وهكذا يكون تحمل المسؤولية، وهكذا تؤدى الأمانات؛ علوٌّ في الحياة وفي الممات، وفي الآخرة الأجر عند خالق الأرض والسموات.
أسباب ترك العمل
من الناس من يترك العمل لأنه لم يتيسر له في بلده ومسقط رأسه وموطن أهله وعشيرته فهو يكره الغربة وينفر من الترحال ويؤثر الإقامة في موطنه مع البطالة والفقر على الهجرة والسفر مع السعه والغنى
وهؤلاء قد حثهم الإسلام على الهجرة وبين لهم أن أرض الله واسعة وأن رزق الله غير محدود بمكان ولا محصور في جهة فإذا أدرك أحدهم الموت بعيدا عن أهله غريبا عن موطنه قيس له من مولده إلى مدفنه في الجنة
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم-: سافروا تستغنوا رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات  كما قال المنذرى في الترغيب
وقال تعالى وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (النساء100)
 
وقال تعالى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المزمل20) }
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا لَيْتَهُ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ (الطبرانى عن ابن عمرو) قال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان
المؤلف : محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي تحقيق : شعيب الأرنؤوط
هذا الحديث حسنه الشيخ الألباني ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : قيس له ما بين مولده إلى منقطع أثره في الجنة . أنه يعطى في الجنة مسافة قدرها قدر ما بين مكان ميلاده إلى المكان الذي انقطع فيه أثره أي انقطع أجله . كذا في شرح سنن النسائي وعزاه للطيبي وهذه المسافة التي تعطى له في الجنة هي جزاؤه ، وقد ذكر ابن القيم في مدارج السالكين رواية أخرى توضح الجزاء أكثر وهي رواية ابن لهيعة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر رجل بالمدينة فقال : ياله لو مات غريباً ، فقيل له: وما للغريب يموت بغير أرضه ، فقال ، ما من غريب يموت بغير أرضه إلا قيس له من تربته إلى مولده في الجنة . فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه فتاوى الشبكة الإسلامية رقم الفتوى : 69594 عنوان الفتوى : شرح حديث (قيس له ما بين مولده إلى منقطع أثره)
تاريخ الفتوى : 03 ذو القعدة 1426
فهل رأت البشرية تشجيعا على العمل والسياحة والهجرة لكل غرض مشروع أروع من هذا التشجيع
 وعلى هدى هذه الأحاديث وأمثالها انطلق المسلمون فى فجاج الأرض ينشرون الدين ويلتمسون الرزق ويطلبون العلم ويجاهدون فى سبيل الله
وقد سئلت أم مسلمة عن تفرق أولا دها فى شرق الأرض ومغاربها حتى مات هذا فى جهة وهذا فى جهة أخرى فقالت الأم باعدت بينهم الهمم
ومن الناس من يترك العمل بحجة أنه متوكل على الله إن كثيرا من الناس يقعد في بيته وينتظر الرزق مع أنه لم يأخذ بالأسباب ولم يسع عليه فكيف يأتيه؟!!ولذلك روى ابن أبي الدنيا في "التوكل" بسنده عن معاوية بن قرة، أن عمر بن الخطاب، لقي ناسا من أهل اليمن، فقال : من أنتم؟ قالوا : نحن المتوكلون. قال : بل أنتم المتكلون، إنما « المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله ».  و رأى الفاروق -رضي الله عنه- أيضا قومًا قابعين في ركن المسجد بعد صلاة الجمعة، فسألهم: من أنتم؟! قالوا: نحن المتوكلون على الله، فعلاهم عمر بِدِرَّتِهِ ونهرهم وقال: " لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وإن الله يقول: (فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ) [الجمعة:10].وإن كان الفاروق يشكو من متوكلين لا يعملون، ففي حياتنا المعاصرة نشكو من الأمرين معًا، من متوكلين لا يعملون، ومن عاملين لا يتوكلون.
 
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون فيأتون إلى مكة فيسألون الناس، فأنزل الله: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ) [البقرة:197]. قال محمد بن عبيد: كان سفيان الثوري يمر بنا ونحن جلوس بالمسجد الحرام، فيقول: ما يجلسكم؟! قلنا: فما نصنع؟! قال: "اطلبوا من فضل الله، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين".
وسأل رجل  الإمام أَحْمَدَ ابن حنبل فقال: أيخرج أحدنا إلى مكة متوكلاً لا يحمل معه شيئًا؟! قال: لا يعجبني، فمن أين يأكل؟! قال: يتوكل فيعطيه الناس، قال: "فإذا لم يعطوه أليس يتشرف حتى يعطوه؟! لا يعجبني هذا، لم يبلغني أن أحدًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والتابعين فعل هذا، ولكن يعمل ويطلب ويتحرى".
وقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: "قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ: لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي رِزْقِي؟ فَقَالَ أَحْمَدُ -رحمه الله-: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي"[رواه البخاري ورواه أحمد من حديث ابن عمر جعل رزقي تحت ظل رمحي وإسناده صحيح*
وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ الطَّيْرَ(لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا "[ رواه أحمد و الترمذي وابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قال الترمذي حسن صحيح].فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق، وهذا الحديث أخطأ القَعَدَة في فهمه، فإن الطيور لم يأتها رزقها رغدًا إلى أوكارها، وهي قابعة في أعشاشها، وإنما غدت في الصباح سعيًا في طلبه، وراحت في المساء وقد شبعت من رزق الله تعالى وفضله.                                                          ولعل هذا الحديث في ظاهره يدعو إلى عدم السعي، لأنه لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاًجائعة- وتروح بطاناً، لكن معناه يدعو إلى السعي والعمل  ففي اللغة غدا بمعنى ذهب إلى عمله قبل الشمسبورك لأمتي في بكورها ))رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]وراح عاد إلى بيته بعد الغروب. الحديث نفسه يرد على هؤلاء، إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: تغدو خماصاً، وتروح بطاناً، لم يضمن لهم الرواح - والطيور بطان -ملأى البطون- إلا بعد أن غدت ساعيةً على رزقها، غدت خرجت من أعشاشها، تسعى وتطلب الرزق، فعادت ملأى شبعانة، إذاً هي تحركت، ذهبت والله جل جلاله أكرمها ورزقها.
 
قصة طريفة، تُروى عن شقيق البلخي أحد الصالحين، أنه ذهب في رحلة تجارية، يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله، وقبل سفره ودع العالم الزاهد المعروف إبراهيم ابن أدهم، ولم تمض إلاأيام قليلة حتى عاد شقيق، ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجباً: ما الذي عجل في عودتك يا شقيق !.. قال: رأيت في سفري عجباً، وعدلت عن الرحلة.قال إبراهيم: خيراً ماذا رأيت ؟ قال شقيق: أويت إلى مكان لأستريح فيه من وعثاء السفر، فوجدت في هذا المكان طائراً كسيحاً أعمى، فعجبت، دخلت، قلت في نفسي كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي وهو لا يُبصر ولا يتحرك، ولم ألبث قليلاً حتى أتى طائر آخر يحمل له الطعام في اليوم مرات، حتى يكتفي، فقلت في نفسي، إن الذي رزق هذا الطير في هذا المكان، قادر على أن يرزقني، وعدت من توي وألغيت رحلة التجارة.فقال إبراهيم ابن أدهم متعجباً: عجبت لك يا شقيق، لماذا رضيت لنفسك، أن تكون ذلك الطائر الكسيح الأعمى، الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض لها أن تكون ذلك الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه وعلى غيره من العميان والمقعدين، لماذا اخترت هذا الطائر مثلاً أعلى لك، ولم تختر الطائر الثاني الذي يسعى ويكسب رزقه ويطعم هذا الطائر الأعمى الكفيف ؟.. أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى.فقام شقيق، وقبل يده، وقال أنت أستاذنا يا إسحاق، وعاد إلى تجارته.
ومن الناس من يدع العمل بحجة التبتل لطاعة الله عز وجل، والانقطاع الكامل لعبادته التي من أجلها خُلق الإنسان، فلا يجوز في نظر هؤلاء أن يشتغل الإنسان بحظ نفسه عن عبادة ربه، ولابد عندهم من التفرغ التام لعبادته كالرهبان في الأديرة، والعبَّاد في الخلوات. هؤلاء الذين يفهمون هذا الفهم الخاطئ، ويظنون أن الإسلام قعود وكسل، هؤلاء غاب عنهم أنَّه قال عليه الصلاة والسلاملا رهبانية في الإسلام)[ أحمد عن طاوس
وغاب عنهم كثرة الاقتران بينَ العبادةِ والعملِ في نصوصِ القرآنِ الكريم ومن ذلكَ قولُه تعالى:" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين" (البقرة:198) .يقولُ ابنُ عباسٍ رضي اللهُ عنه:" كانوا يتّقونَ البيوعَ والتجارةَ في المواسمِ والحجِ، يقولونَ: أيامُ ذكرٍ، فأنزلَ اللهُ: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم"
والعمل الدنيوي، العمل الحرفي إذا أُتقن، وصحت فيه النية، وروعيت فيه أحكام الإسلام، هو عبادة في نفسه، وأن سعي الإنسان على معاشه؛ ليعفَّ نفسه، أو يعول أهله، أو يُحسن إلى أرحامه وجيرانه، أو يعاون على عمل الخير، ونصرة الحق، إنما ذلك ضرب من الجهاد في سبيل الله، ولهذا قرن الله بينهما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ سورة المزمل : 20]
وفي أخبار سيدنا عيسى عليه السلام أنَّه لقي رجلاً يتعبد فسأله ما تصنع فقال أتعبد قال ومن يعولك قال أخي قال وأين أخوك قال في مزرعة له فقال سيدنا عيسى أخوك أعبد لله منك " وقال أبو قلابة لرجل لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ -رحمه الله-: "لَيْسَ الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا أَنْ تَصُفَّ قَدَمَيْك وَغَيْرُك يَقوتُ لَك، وَلَكِنْ ابْدَأْ بِرَغِيفِك فَاحْرُزْهُمَا ثُمَّ تَعَبَّدْ".
وسئل إبراهيم النخعي أحد أئمة التابعين عن التاجر الصدوق أهو أحبُّ إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحبُّ إلي؛ هو في جهاد، يأتيه الشيطان عن طريق المكيال والميزان، ومن قِبل الأخذ والعطاء فيجاهده. وكان الإمام الشعراني وهو من دعاة التصوف، كان يفضل الصناع على العبَّاد، لأن نفع العبادة مقصور على صاحبها، وأما نفع أصحاب الحرف، فنفعها لعامة الناس، بشرط أن ينوي بها صاحبها خدمة المسلمين، وتحقيق مصالحهم، والتخفيف من أعبائهم وتبعاتهم، وكان يقول:" ما أجمل أن يجعل الخياط إبرته سبحته، وأن يجعل النجار منشاره سبحته "  إذاً من كان عمله وفق منهج الله، وفي طاعة الله، ولخدمة المسلمين، وإتقان صنعتهم، وتحرير نواياهم، وطلب خدمة الآخرين، هذه عبادة من أجلِّ العبادات.وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَيَعْمَلُونَ فِي نَخْلِهِمْ، وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ0
 
 ومن الناس من يدع العمل استهانة به، واحتقاراً له، كما كان الحال عند العرب في الجاهلية، الذين يحتقرون الحرف والعمل اليدوي، حتى أن أحد الشعراء كان يهجو غريمه بأن أحد أجداده كان حداداً، فكأنما وضع بهذا وصمة عار على جبين القبيلة إلى الأبد فلما جاء الإسلام بدل هذه المفاهيم المغلوطة، ورفع من قيمة العمل أياً كان نوعه، وحقَّر من شأن البطالة، والاتكال على الآخرين، وبيّن لهم أن كسب الحلال عمل شريف، وأن نظرة بعضهم إلى العمل، تلك النظرة التي تنطوي على الاستهانة، هذه نظرة خاطئة، ولا أصل لها فسيدنا ابن مسعود كان يعمل بيده، وكانت يده خشنة من عمله القاسي رفعها النبي يوماً أمام أصحابه وقال :إن هذه اليد يحبها الله ورسوله )) ورد في الأثر )  وكان عمر بن الخطاب يقول:" إني لأرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني
وروى الإمام البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِيَ أَمْ مُنِع )البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ]
 بيّن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث الشريف أن حرفة الاحتطاب، على ما فيها من مشقة، وعلى ما يَحوطها من نظرات الازدراء، وعلى ما يُرجى منها من ربح ضئيل، خير ألف مرة من البطالة وتكفف الناس.
 
وكانت امْرَأَةٌ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ وتُنظِّفه، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالُوا: مَاتَت، قَالَ: "أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي" يقول الراوي: فكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أي أنها أقل من أنْ يُصلي عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِها" فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا. إنه يُعلِّمُنا صلى الله عليه وسلم، أنه لا يجوز لمن يخدمُ دينَه ومُجتَمَعه، أنْ يُحتَقَر ويُزْدَرى، مهما كانت مِهْنتُه، ومهما كانت جِنْسيَّته ولونه. هذه المساجد التي نحن فيها، والبيوتُ التي نسكنها، والمصانعُ والفنادقُ والْمُؤسَّسات، مَنِ الذي شيَّد بناءَها وعمرها؟ أليسوا هم أولئك الذين يزدريهم بعضُ الناس؟ ويزدري مِهْنتهم ووظيفتهم؟ألا يستحق هؤلاء الرِّجالُ الأبطال، أنْ ننظر إليهم نظرةَ إكبارٍ وإجلال، وأنْ يستفيد شبابُنا من خِبْراتهم، ويعملوا مثل أعمالهم أو بعضَها؟وهذه امرأةٌ طلَّقها زوجُها، بعد أنْ كبُر سنُّها وكثُّر أولادُها، فضاق بها الحال، وأرهَقَها صياحُ العيال، ولا دخلَ لديها ولا مال، فهل تَكُونُ حبيسةَ الجُدران، عالةً على الأقاربِ والجيران، غارقةً في الهموم والأحزان؟لا، بل شقَّتْ طريق حياتِها بنفسها، مُعتمدةً على ربِّها، أدارتْ ظهرها نحو ماضيها، فاسْتغلَّتْ آلةَ خياطتِها، واسْتثمرتْ خِبْرتَهَا في إعْدادِ طعامِها، فأنْتَجَتْ أصْنافاً من الطعامِ والشراب، وصنَعَتْ شتَّى أنواعِ الأرْديةِ والثياب، فاغْتنت بعد فقرها، وعزَّتْ بعد ذُلِّها، وصانت وجهها وحفظتْ كرامتها. فأين أنتم -معاشر العاطلين- من هذه المرأة؟ أين مَن يقول بأنَّ الأبواب أُغلقت في وجهي، والوظائفَ أُخذت كلَّها عنِّي؟إلى متى وأنتم عالةٌ على آبائكم؟ إلى متى وأنتم تمدُّون أيْدِيَكم إلى أهليكم؟ ألم تبلغوا في السنّ مبلغ الرجال؟ فإلى متى وأنتم على هذا الحال؟ فدعوا الخمول والكسل، وقوموا للجدِّ والعمل
 
ولماذا ياإخوة تظلُّ نظراتُنا دونيَّةً ازدرائيةً نحو الحِرَفِ اليدويةِ؟! سبحان الله العظيم! إن من الخطأ القبيح ما يتصوره بعض الناس أن المهن الحرفية من المهن الدنيئة المنحطة التي لا تليق بالرجل الكريم، العمل المباح شَرَفٌ لصاحبه لا يُزرى به؛ بل يكرمه ويعلي مكانته عند الله تعالى ثم في أعين الناس، كيف؛ وهذه المهن من فروض الكفاية على المسلمين؟. فهذا الإنسان الجليل الذي يعمل في رفع القمامة ويميط الأذى، ويكنس الطريق، هل يصحُّ أن يُقال عنه: إنه إنسان ممتهن وضيع؟ لو أضرب عُمَّال النظافة عن العمل، كيف ستغدو شوارعنا؟ وكم سنشعر بأهمية هذه المهنة الشريفة على مجتمعنا. لو أن صنابير المياه اختلَّتْ، أو الأدوات الكهربائية المنزلية تعطَّلتْ، أو الأبواب والشبابيك والأقفال عَطَبتْ، مَن ذا سيصلحها؟ إنْ لم يكنْ إنسانًا حرفيًّا يستنفع لنفسه وينفع الآخرين؟ نحن الآن نصلِّي في هذا الجامع المبارك، فمن الذي بنى أركانه، ودهن جدرانه، ونَجَر أبوابه، وركَّب أنواره، أليسو حِرَفيِّين؟!. دعني يا أخي أسألك عن هذا الخبز الذي تتمتَّعُ بأكله، وتَحْمَدُ اللهَ على هذه النعمة، ربما تهكَّمْتَ على صانع الخبر أن مهنته وضيعة. أتدري يا هذا، كم من أصحاب الحرف والمهن اشتركوا في صناعة الرغيف؟ فلاحٌ بَذَر، وآلةٌ حَصَدتْ، ومَصْنعٌ طَحَن، وسيارةٌ نقلتْ، ومستودعٌ خزَّن، وعجَّانٌ عَجَن، وفرَّانٌ خَبَز؛ أليس هؤلاء شرفاءَ عملوا من كسب أيديهم، وقدَّموا لك خبزًا طَازَجًا شهيًّا، لو غاب عنك فترة أو غلا سعره لقامتْ ثورة الخبز المعروفةُ بين الشعوب؟. إذن -أيها الإخوة- قضية هناك مهنٌ فَوْقِيةٌ، مهنٌ تحتية، هذا ليس في ديننا، ففي الإسلام عمل حلال وعمل حرام.

 ومن الناس أيضاً من يدع العمل والسعي في مناكب الأرض اعتماداً على التسول والمسألة ومساعدات الآخرين والأخذ من الزكاة.وربما يُفضل أحدهم سؤال الناس عن أن يعمل بيده عملاً، يعدُّه غير لائق به والذين رأوا أن في أخذ أموال الناس راحةً لهم، لماذا يعملون ؟ هناك من يعطيهم، هناك من يدع العمل والسعي في مناكب الأرض اعتماداً على مساعدات الآخرين، التي تُجبى إليهم، من دون تعب ولا عناء، وفي سبيل ذلك يستبيح مسألة الغير ومدّ يده إليه، على ما فيها من ذل النفس، وإراقة ماء الوجه، هذا مع أنه قوي البنية، سليم الأعضاء، قادر على الكسب، كأكثر الذي نشاهدهم من المتسولين، وكأكثر الذين نجدهم عند الملوك والأثرياء يتضعضعون أمامهم، ليكسبوا من أموالهم، من المستجدين، والمدَّاحين، وطالبي المنح والعطايا، هؤلاء قد بيّن الإسلام أنهم ليسوا أهلاً للزكاة ولا لغيرها من الصدقات، ما داموا أقوياء مكتسبين، أو مستطيعين للكسب. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ)[الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوالمرة: هي القوة، والسوي: سوي الأعضاء وفي حديث آخر .  لا حظ فيها (فى الزكاة والصدقة) لغني ولا لقوي مكتسب[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو   
 
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء فعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ يَسْأَلُهُ شَيْئًا))النسائي عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو
وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ [ متفق عليه عن ابن عمر
وروى الإمام أحمد عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْئًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) أحمد عن ثوبان ]
 وروى ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ  مسلم عن أبي هريرةمعنى سأل الناس تكثراً: أي ليكثر ماله، لا لضرورة ألجأته إلى السؤال. وروي أيضاً من حديث عبد الرحمن بن عوف: ( وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ))أحمد عن عبد الرحمن بن عوف وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ))[ متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر
 
والقصة التي تعرفونها جميعاً، أن الصديق رضي الله عنه كان يركب ناقته وقد وقع زمامها على الأرض، فنزل من على ظهر الناقة ـ وليس من السهل أن تنزل عن ظهر الناقة ـ ليتناول زمام ناقته، وحوله أصحابه فتعجبوا، نكفيك ذلك !! قال سمعت حبيبي رسول الله يقول: " لا تسألوا الناس شيئاً":                                                                             لا تسألـــن بني آدم حاجــة  وسل الذي أبوابه لا تُحجبُ
الله يغضب إن تركت سؤاله  وبني آدم حين يُسأل يغضب
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه ينادي مناد يوم القيامة أين بغضاء الله في أرضه فيقوم سؤال المساجد فهذه مذمة الشرع للسؤال والاتكال على كفاية الأغيار
 
مسألة الناس ظلم في حق الربوبية وفي حق المسؤول وفي حق السائل :روى أبو داود والنسائي والترمذي عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ - لأن الله وكله بالرعية، وكله بالإنفاق عليه، وكله بمعالجة مرضاهم، وكله بتأمين الأعمال لهم، أولي الأمر يُسألون لأن هذه مهمتهم- إلا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَان أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا ))[أبو داود والنسائي والترمذي عَنْ سَمُرَةَ]
ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن مسألة الناس ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤول، وظلم في حق السائل، أما التفاصيل فهي كما يلي: إما أنها ظلم في حق الربوبية، فلأن السائل بذل سؤاله وعرض فقره وعرض ذله واستعطاءه لغير الله، وهذا نوع من العبودية وضعها في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه.
 
وأما أن السؤال ظلم في حق المسؤول فقد عرضه لمشقة البذل، أو للوم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهة، وإن منعه منعه على استحياء وإغماط وقد ظلم المسؤول.
 
وأما أنها ظلم في حق السائل فهو ظلمه لنفسه، فلأنه أراق ماء وجهه وذله لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالين، ورضي بإسقاط شرف نفسه، وعزة تعففه، وباع صبره ورضاه وتوكله واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عين ظلمه لنفسه.
فالإنسان حينما يسأل الله من فضله، وحينما يرجوه في قيام الليل:" إذا كان ثلث الليل الأخير، نزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينفجر الفجر " فلو سألت الله مباشرةً أن يرزقك طيباً وأن يستعملك صالحاً، الله جل جلاله أجلّ وأكرم من أن يخيب ظنك :" أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما يشاء" شاب في مقتبل العمر، لو سأل الله من فضله، لو سأل الله عملاً يدر عليه بعض المال يتزوج به، لو سأل الله حرفة، لو سأل الله وظيفةً، لو سأل الله عملاً يرتزق منه، الله يسمعه، ويستجيب له، ويكرمه بشرط أن يوحده، وأن يقطع أمله من الناسفكل إنسان يشكو من ضيق ذات يده، عليه أن يراجع نفسه، عليه أن يستقيم مع ربه، وعليه أن يسأل الله وحده، فالله جل جلاله لا يخيب ظنه، ويُعاب أن تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.
أيها المسلمون: إن مما تفشى في هذه الأزمانِ كثرةُ التسولِ والسؤالِ في الطرقاتِ والمساجدِ وفي غيرِها، وفي أولئكَ القومُ الأصحاءُ الأقوياءُ الأغنياءُ، وفيهم الضعفاءُ والمرضى والفقراءُ، وإن مما ينبغي أن يُعلمَ نهيُ الإسلامِِ عن التسولِ والمسألةِ، لما فيها من ضررٍ وخطورةٍ وفسادٍ على صاحبِها، وما فيها من هضمٍ لحقوقِ الآخرينَ في المجتمعِ، قالَ أبو حامدِ الغزاليِ – رحمه اللهُ - : " السؤالُ حرامٌ في الأصلِ، وإنما يُباحُ لضرورةٍ أو حاجةٍ مهمةٍ قريبةٍ من الضرورةِ، وإنما قُلنا إن الأصلَ فيه التحريمُ لأنه لا يَنفكُ من ثلاثةِ أمورٍ محرمةٍ: الأولُ: إظهارُ الشكوى من اللهِ تعالى، إذ السؤالُ إظهارٌ للفقرِ، وذكرٌ لقصورِ نعمةِ اللهِ تعالى عنه، والثاني: أن فيه إذلالُ السائلِ نفسَهُ لغيرِ اللهِ تعالى، وليسَ للمؤمنِ أن يُذلِ نفسَه لغيرِ اللهِ إلا لضرورةٍ، الثالثُ: أنه لا يَنفكُ عن إيذاءِ المسئول غالباً .
 
والإسلام احترم العمل، وفَضَّله مهما كان حقيرًا أو دنيئًا في أعينِ الناس على المسألة والاستجداء، فالمسألةَ أدنى الدناءات.قال بَعْضُ السَّلَفِ: "كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ" ونُقِلَ عَنْ سيدنا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَنَقْلُ الصَّخْرِ مِنْ قمم الْجِبَالِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ يَقُولُ النَّاسُ لِي فِي الْكَسْبِ عَارٌ فَقُلْت الْعَارُ فِي ذُلِّ السُّؤَالِ
وجاءت ريح عاصفة في البحر فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم رحمه الله وكان معهم فيها أما ترى هذه الشدة فقال ما هذه الشدة وإنما الشدة الحاجة إلى الناس
 
و لقد كانَ النبي صلى اللهُ عليه وسلمَ يُوجهُ أصحابَه إلى العملِ، ويُجنبُهم البطالةَ والمسألةَ، فإذا جاءَ أحدُهم إليه صلى اللهُ عليه وسلمَ يسألُه مالاً، وكانَ قوياً على العملِ وجهَّه إلى العملِ وحثَّه عليه، وبيَّن له أن العملَ مهما كانَ محتقراً في أعينِ الناسِ فهو أشرفُ للإنسانِ من التسولِ والمسألةِ، ومما يُروى في ذلكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ (فقط ليس في بيته إلا حلس وقعب) (الحِلْسِ الذي يكون للبعير تحت البرذعة الحِلْسُ والحَلَسُ كلُّ شيء وَليَ ظَهْرَ البعير والدابة تحت الرحل والقَتَبِ والسِّرْج وهي بمنزلة المِرشَحة تكون تحت اللِّبْدِ وقيل هو كساء رقيق يكون تحت البرذعة والجمع أَحْلاس وحُلُوسٌ) وقَعْبٌ مِقْعارٌ : واسِعٌ بَعيدُ القَعْر والقَعْرُ جَوْبَةٌ تَنْجابُ من الأَرض وتنهبط يَصْعُب الانحدار فيها ِ) قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (استنبط العلماء أنه يجوز أن تبيع حاجة بمزايدة علنية، أو أن تشتري بمناقصة، وكلاهما جائز)قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ (لماذا ؟.. الإنسان لا يستطيع أن يعمل إذا كان أهله في ضائقة، إذا كان مضطرباً عليهم، إذا كان مشوشاً على وضعهم فمن أجل أن تُبدع، أو أن تنجز، أو أن تعمل، لابد من أن تكون مطمئناً على أهلك) وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ (فَقْر مُدْقِع أَي شديد )أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ (غُرْمٍ مُفْظِعٍ المُفْظِعُ الشديدُ الشنِيعُ أَي ذي حاجة لازمة من غَرامة مُثْقِلة وفي الحديث أعوذ بك من المَأْثَم والمَغْرَمِ ) أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ] دَمٍ مُوجِعٍ هو أَنْ يتحمل دِيةً فيسعى بها حتى يُؤَدِّيَها إِلى أَولياءِ المقتول فإِن لم يؤدِّها قُتِل المُتَحَمَّلُ عنه فَيُوجِعُه قَتْلُه)
) أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ والترمذيِّ وحسنَّه فلم يجعل النبي عليه الصلاة والسلام المتبطل الكسول، لم يجعل له حقاً من صدقات المسلمين، وذلك ليدفع القادرين إلى الكسب والعمل الشريف  وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ[ متفق عليه عن أبي هريرة
 
ورد في مجمع الزوائد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلين أتيا الرسول -صلى الله عليه وسلم- فسألاه، فقال: "اذهبا إلى هذه الشعوب فاحتطبا فبيعاه"، فذهبا فاحتطبا، ثم جاءا فباعا، فأصابا طعامًا، ثم ذهبا فاحتطبا أيضًا، فجاءا فلم يزالا حتى ابتاعا ثوبين ثم ابتاعا حمارين، فقالا: قد بارك الله لنا في أمر رسول الله. وفي الحديث دلالة على أهمية تشغيل العاطلين وإرشادهم إلى العمل.
 
أيها الشباب: أقول لكل من لم يستطع تحقيقَ حُلْمِه الآن: لا تيأسْ، وراجعْ نفسَك، وأعِدْ حساباتِك، وابدأْ عملَك ومشروعَك بجدٍّ وحيوية ونشاطٍ، وضعْ الإصرارَ أمام عينيك، وثِق بربِّك، وتوكَّلْ على مولاك، وسوف تحقق آمالك بحول الله وقوته ولك في قصص الناجحين عبرةٌ، دولةٌ ازدهر اقتصادُها بسبب صناعة وبيع لعب أطفال، وأخرى انتعش سوقُها بسبب جوالات، ورجلٌ صار وزيرًا بعد أن بدأ حياته صبيًّا يصنع القهوة ويبيعها(كوفي بوي)، ومطعمٌ عالميٌّ عابرٌ للقارات بسبب خلطةٍ سِرِّية، ومشروبٌ عالميٌّ يعمل في مصانعه أكثرُ من نصف مليونِ شخصٍ كانت بدايته صنع خلطة نكهة فواكه بماء الصودا، وهكذا.
المراجع
خطبة الأمل والعمل لوزارة الأوقاف المصرية
قيمة العمل بين بناة الأوطان ودعاة الهدم خطبة وزارة الأوقاف المصرية25 من ربيع أول 1436 هـ - 16 من يناير 2015م
المعجم الوسيط المؤلف / إبراهيم مصطفى ـ أحمد الزيات ـ حامد عبد القادر ـ محمد النجار تحقيق / مجمع اللغة العربية عدد الأجزاء / 2
[ لسان العرب ]المؤلف : محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري
[ القاموس المحيط]المؤلف : محمد بن يعقوب الفيروزآبادي
 
مجلة منبر الإسلام السنة    63      العدد 8شعبان 1425ه       سبتمبر-أكتوبر 2004م
مجلة منبر الإسلام السنة    65      العدد 6 جمادى الاخرة1427ه         يوليو 2006م
مجلة منبر الإسلام السنة    66      العدد 6 جمادى الاخرة1428ه   يونيه يوليه2007م
مجلة منبر الإسلام السنة    67      العدد 5 جمادى الأولى1429ه          مايو 2008م
مجلة منبر الإسلام السنة    67      العدد 6 جمادى الاخرة1429ه       يونيه 2008م
مجلة منبر الإسلام السنة    67      العدد 7 رجب 1429ه                    يوليو2008م
مجلة منبر الإسلام السنة    68      العدد 3 ربيع الأول 1430ه            مارس 2009م
خطبة الجمعة ( معالجة الفقر في المجتمع الإسلامي طريق العمل1 ).لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
خطبة الجمعة معالجة الفقر في المجتمع الإسلامي عن طريق العمل2لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
فضيلة العمل والكسبِ في الإسلام ونداءٌ للشباب بترك البطالة والكسل الشيخ أحمد بن ناصر الطيار
إحياء علوم الدين للغزالي كتاب آداب الكسب والمعاش وهو الكتاب الثالث من ربع العادات
خطبة بعنوان: أهمية العمل وأثره في بناء اقتصاد الأفراد والمجتمعات د / خالد بدير بدوي
حتَّى تَكُونَ مُوظَّفًا مِثَالِيًّا وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عمان
عناية الإسلام بالمهن والحرف الشيخ / بلال بن عبد الصابر قديري
مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام للدكتور يوسف القرضاوى
من وصايا القران الكريم ج1 للشيخ محمد عبد العاطى بحيرى
كف ذي الجزالة عن مواقعة البطالة الشيخ / عبد الله البصري
"العملُ والكسبُ في الإسلامِ" الشيخ أحمد بن حسين الفقيهي
نعم المال الصالح للرجل الصالح الشيخ: د. سعود الشريم          
العمل وذم البطالة للشيخ عبد الكريم بن صنيتان العمري
مكانة العمل وآدابه في الإسلام الشيخ حسان العماري
لا للبطالة.. نعم للعمل الشيخ / ناصر العلي الغامدي
 حقوق العمال وآداب العمل الشيخ حسان العماري
العمل والكسب الشيخ /عثمان بن جمعة ضميرية
العمل باليد للشيخ عبد الرحمن بن علي العسكر
قطوف وكلمات دكتور/ بدر عبد الحميد هميسه
أضرار الكسب الحرام الشيخ عبد الله الطريف
فضل العمل والتكسب الشيخ عبد الله الطريف
البطالة الشيخ محمد بن مبروك البركاتي
الكسب الطيب  للشيخ منديل الفقيه
 
 
 

  

















توقيع : الشيخ سعد الشهاوى
عاشق الحرمين

معلومات الكاتب
look/images/icons/i1.gif خطبة قيمة العمل فى الإسلام للشيخ سعد الشهاوى
15-01-2015 01:59 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [1]
عضو متميز
rating
رقم العضوية : 1180
الحالة : offline
المشاركات : 119
الجنس : ذكر
الزيارات : 335
قوة السمعة : 23
الوظيفة : امام وخطيب



خطبة  قيمة العمل فى الإسلام للشيخ سعد الشهاوى ‏
الحمدُ لله فاطرِ الأرض والسموات، عالم الأسرار والخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، أحاط بكل شيء علماً، ووسع كل شيء رحمة وحلماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، يعلم ما بين أيديهم وما خلفَهم ولا يحيطون به علماً. لا تدركه الأبصار، ولا تغيره الدهور والأعصار، ولا تتوهّمه الظنون والأفكار، وكل شيء عنده بمقدار، أتقن كلَّ ما صنعه وأحكمه، وأحصى كلَّ شيء وقدّره، وخلق الإنسان وعلّمه.
 فلك المحامدُ والثَّناءُ جميعهُ *** والشُّكْرُ مِن قلبي ومِن وجداني
 فَلَأَنْتَ أهلُ الفضلِ والمنِّ الَّذي *** لا يستطيع لشُكْرِهِ الثَّقَلان
 أنت القويُّ وأنت قهَّارُ الورى *** لا تعجزنَّك قوَّةُ السُّلْطَان
 فلك المحامدُ والمدائحُ كُلُّها *** بخواطري وجوانحي ولساني
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
 توكلت في رزقي على الله خالقي     و أيقنت أن الله لاشك رازقي
و ما يك من رزقي فليس يفوتني  و لو كان في قعر البحار العوامق  
 سيأتي به الله الكريم بفضله        و لو لم يكن منى اللسان بناطق
 فعلام تذهب النفس حسرة        و قد قسم الرحمن رزق الخلائق                    
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صدع بالحق وأسمعه، اللهم صل على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسائر من نصره وكرمه، وسلم تسليماً كثيراً.  أمَّا بَعْــــــــد: عبــــاد الله: لقد وردت في القرآن الكريم نحو ثلاثمائة وستين آية تحدثت عن العمل
فما هو العمل العمل أيها الأخوة ذلك المجهود الذي يقوم به الإنسان وحده أو مع غيره، لإنتاج سلعة، أو تقديم خدمة، وهو السلاح الأول لمحاربة الفقر. فسيدنا عمر رضي الله عنه كان في جولة تفقدية، فإذا بلدة إسلامية كل أصحاب النشاطات الاقتصادية فيها ليسوا مسلمين، فتألم أشدّ الألم وعنفهم أشدّ التعنيف، وقال لهم: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟ والحقيقة الصارخة أن العالم اليوم منقسم لا إلى شرق وغرب، ولا إلى شمال وجنوب، ولا إلى يمين ويسار، ولكن العالم اليوم منقسم إلى منتج ومستهلك، فالمنتج قوي متحكم، والمستهلك ضعيف مُستَحكم. إن العمل هو السلاح الأول لمحاربة الفقر، وهو السبب الأول في جلب المال، هو العنصر الأول في عمارة الأرض، التي استخلف الله فيها الإنسان، وأمره أن يعمرها، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ سورة [هود:61]فبالعمل يؤدي الإنسان مَهمَّةَ الإعمارِ في الأرض قال ابن كثيرٍ: أي جعلكم عُمَّارًا تعمرونها وتستغلونها.
 
 لقد جعل الله الأرض مستقر حياة الإنسان ومعاشه في هذه الدنيا وأوجد فيها الكثير من النعم وسخر جميع المخلوقات لخدمته ونوع له أبواب الرزق وطرقه وذلل له سبل الوصول إليه قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) [يس: 71ـ73] وقال تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) [الحجر: 19ـ21].
وقال الله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ) [يس:33-35]، لماذا هيأ الله الأرضَ؟ قال: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، إنه تنبيهٌ لشرف عمل اليد.
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك: 15] . الرزق مضمون و مكفول و لكن ثمنه السعياقتضت سنة الله في الخلق، أن هذه الأرزاق التي ضمنها الله عز وجل والأقوات التي قدرها، والمعايش التي يسرها، لا تُنال إلا بجهد يبذل، وعمل يُؤدى، ولهذا رتب الله الأكل من رزقه بعد المشي في مناكب أرضه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ سورة تبارك  15  فمن مشى أكل، ومن كان قادراً على المشي ولم يمش كان جديراً ألا يأكل، هذه سنة الله في خلقه
 
أيها الإخوة المسلمون: لقد امتنَّ الله تعالى على عباده بجعله النهارَ لهم ضياءً يبتغون فيه من فضله: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) [النبأ:11]، وامتنَّ بجعله الأرض ميدانًا لهذا الكسب والمعاش، قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) [الأعراف:10]. ومن هنا يتضح حرص الإسلام على السعي والاجتهاد ، شريطة أن يكون العمل في صالح البلاد والعباد، يقول الله تعالى للسيدة مريم حين جاءها المخاض وهي بجوار النخلة: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}[مريم 25]، فأمرها الله بالجد وبذل الجهد أولاً ، فيجب على  الإنسان ذكرًا كان أو أنثى  أن يسعى وينصب ؛ ليرزقه الله من فضله ونعمه  .
 
لقد نظر الإسلام إلى العمل نظرة توقير وتمجيد ، فرفع قدر العمل وقيمته وجعله سبيلا للرقي والتقدم، وجعله عبادة يثاب عليها ،وأصبح الكسلُ وترْكُ العمل نقصًا في حق الإنسان ، فقد حث القرآن الكريم من خلال آياته على السعي على المعاش و العمل، وجعله في مصافّ العبادات، فقد نادانا الحق سبحانه لصلاة الجمعة بأمرٍ، ثم صرفنا إلى العمل بأمرٍ مساوٍ له وجاء الأمرُ بالانتشار في الأرض طلبًا للرزق الحلال بعد الأمر بالصلاة يقول تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الجمعة 9 – 10 وكان سيدنا عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ (رضي الله عنه) إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (تفسير ابن كثير.
 
والناظر في آيات القرآن الكريم، وفي أحاديث رسولنا الكريم  (صلى الله عليه وسلم)، يرى العناية الكبيرة بكل ما يصلح حياة الإنسان  في دينه ودنياه ويصلح حياته ومماته . والنجاح و الإصلاح في الدنيا مرتبط بالعمل، فارتباط السعادة      والفوز بالعمل الصالح ليس مقصورًا على الآخرة وحدها ، فلا يخيب سعي  ساع ، ولا جهد مجتهد                               يقول تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات إِنَّا لَا نُضِيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) [الكهف: 30 ] ،  فمن عمل أُجر ومن قعد حُرم.  والعمل المفيد  يٌجزى عليه صاحبه في الدنيا والآخرة ، فيصلح الله جميع أحواله ، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ...» رواه مسلم ، وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال – وكالقائم لايَفتُر  وكالصائم لا يُفطِر " (متفق عليه)  .
فالعمل المفيد يريح النفس،ويسعد القلب ويُطيّب العيش، ويذهب الحزن والهم والقلق ؛ فالمسلم يجد فرحة ولذة  بعد إتمام  كل عمل صالح يعمله، وهذه السعادة لا تُباع ولا تُشترى، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}[النحل: 97]
 ولا يستوي من يعمل صالحا ومن يعمل سيئًا أو يسيئ إلى غيره ، كما لا يستويان في الممات {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}[الجاثية: 21] .
 
رفع الله جل جلاله العمل والكسب الحلال إلى مستوى الجهاد في سبيل الله ومن يسعى على كسب معاشه ورزق أولاده من حلال فهو في درجة الشهيد أو المرابط في سبيل الله وما ذلك إلا لأهميته وفضــله فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:" ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل الله، أحب إلي من أن يأتيني وأنا ألتمس من فضل الله يعنى: "والله ما أحب أن يأتيني الموت إلا على أحد شكلين؛ إما مجاهدًا في سبيل الله أو ساعيًا لطلب الرزق". ثم تلا هذه الآية: ﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سورة المزمل : 20        فقرنَ المولى سبحانَه في كتابِه بينَ المجاهدينَ في سبيِلِه والذينَ يضربونَ في الأرضِ يبتغونَ من فضلِ اللهِ قال الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسيره لهذه الآية: "سوى الله تعالي في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال ، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله"
 
وهذا ما أكده الرسول r - لأصحابه فعن كعب بن عُجْرَةَ قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابِهِ، فَرَأَوْا مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ -يعني في الجهاد- فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ"[ رواه الطبراني والبيهقي وصححه الألباني في صحيح الترغيب 1692].
 
ورفع رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي بإسناد حسن، حاثَّاً على العمل ولاسيما التجارة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ) قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ))الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ]
 لماذا؟.. لأنه يحقق للناس مصالحهم، ويؤمِّن لهم حاجاتهم، بطريقة شريفة، وبصدق شديد، وبإخلاص تام، وبإتقان، وبمعاملة طيبة، فهو داعية إلى الله من دون أن يدري، لذلك يُعد أكبر قطر إسلامي على الإطلاق (إندونيسيا) الذي يعد مئة وخمسين مليوناً، هذا القطر الإسلامي وصلت إليه الدعوة عن طريق التجَّار فقط، ولم يُفتح بالسيف، لذلك التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يوم القيامة، وقد قال عليه الصلاة والسلاماستقيموا يُستقم بكم )) الطبراني عن سمرة استقامتك دعوة، عفتك دعوة، صدقك دعوة، أمانتك دعوة، إخلاصك دعوة وأنت ساكت، هذا الذي لا يُحسن أن ينطق بكلام فصيح، ولا أن يأتي بالحجج الدامغة، ولا أن يأتي بأقوال متعددة يؤكد بها رأيه، هذا الذي لا يُحسن أن يقول هو داعية من دون أن يدري.
 
صعد أحد الخلفاء الراشدين وأظنه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه المنبر، فأُرتج عليه، فقال:" أنتم إلى إمام عامل، أحوج منكم إلى إمام قائل " لغة العمل أبلغ من لغة القول..
 
ورد في الأثر: "أن خير الكسب كسب التجَّار، الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُمطلوا ". فالنبي عليه الصلاة والسلام حثنا على الكسب المشروع، وعلى التجارة الصادقة
 وقد شجع الإسلام على جميع الأعمال التي تدرّ على الإنسان بالرزق، سواء زراعة أو صناعة أو عملاً مهنيًّا أو تجارة، قال المصطفى وهو يحبّذ ويشجّع على التجارة: "تسعة أعشار الرزق في التجارة"، وروى الإمام أحمد في المسند أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أطيب الكسب عملُ الرجل بيده وكل بيعٍ مبرور".
 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ ))[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍصدقة.. مادام قد زرع زرعاً عمَّ الرخاء، وتوافرت حاجات الناس، ورخصت الأسعار، ومن كان في خدمة المسلمين كان في عبادة عالية جداً.
 
وقد ورد في الجامع الصغير، ورمز له السيوطي بعلامة الصحة:" من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له".


وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يرفع من شأن الحرفيين فيجيب دعوتهم، فعن أنس بن مالك قال: "إن خياطًا دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك الطعام، فقرب إليه خبزًا من شعير ومرقًا فيه دباء، ( الدباء ) القرع قال أنس: فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتتبع الدباء من حول القصعة، فلم أزل أحب الدباء بعد ذلك اليوم". متفق عليه.
قال النووي: "فيه فوائد، منها إباحة كسب الخياط"، وقال ابن حجر: "فيه دليل أن الخياطة لا تنافي المروءة"، قال العيني: "وفيه جواز أكل الشريف طعام الخياط والصائغ، وإجابته إلى دعوته".
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، فقال لغلام له قصاب -أي: جزار -: اجعل لي طعامًا يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- خامس خمسة، فإني قد عرفت في وجهه الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن هذا قد تبعنا، فإن شئت أن تأذن له فائذن له، وإن شئت أن يرجع رجع"، فقال: لا، بل قد أذنت له. قال النووي: "أي: يبيع اللحم، وفيه دليل على جواز الجزارة وحل كسبها".
وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يشيد بالمبدعين من أصحاب الصنائع ويوكلهم بالأعمال، فعن قيس بن طلق عن أبيه قال: بنيت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسجد المدينة فكان يقول: "قدموا اليمامي من الطين؛ فإنه من أحسنكم له مسًّا". رواه ابن حبان. وزاد أحمد: "وأشدكم منكبًا".
 
عبـــــــاد الله: لقد عظم الإسلام من شأن العمل مهما كان هذا العمل في المصنع أو في المتجر أو في المستشفى أو في الوزارة أو في السوق أو في بناء العمارات وتشييد المباني أو في الزراعة وحراثة الأرض، أو حتى كان العمل في حفظ الأمن وحراسة الأموال والأعراض أو حتى كان في القضاء والفصل بين الناس أو غير ذلك بل حتى عمل المرأة في بيتها لزوجها وأولادها فإنها تؤجر عليه.. فعلى قدر عمل الإنسان يكون جزاؤه, قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97]
 
أيها الإخوة: إن الكسب بقدر الكفاية لنفسه وعياله، وقضاء دينه، ونفقةِ من يجبُ عليه نفقتُه؛ فرضٌ من الفروض. ولا يجوز للقوي القادر أن يجلس، أو يسأل الناس، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ"[رواه أبو داود وصححه الألباني]. ثم إن الإنفاق على العيال أفضل الإنفاق على الإطلاق؛ فعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ" قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: "وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ راوي الحديث: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ"[رواهما مسلم].
 وقال صلى الله عليه سلم لسعد بن أبي وقاص ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ اللَّهِ إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تَجْعَلُ في في امْرَأَتِكَ ) البخاري (56) ومسلم (1628) أيها الإخوة: لقد سمى فقهاؤنا -رحمهم الله- حاجاتِ الأمةِ من الأعمال والصنائع والحرف فروضَ كفايات، وهي تشمل حراسة الأمن، ودواوين القضاء، وإجادة الأعمال، وامتهانَ الحرف، وكلَّ ما فيه عمران الأمة؛ صنوف متعددة لا يحسنها كلُ أحد، ولا يقوى عليها كلُ أحد، ولكن يحتاج إليها كلُ أحد، إنما هي مواهب وقدرات، وهمم متفاوتة، قسمها الله بين خلقه، ليتخذ بعضُهم بعضاً سخريا.
 
ولقد حثَّ الإسلام على الاحتراف والعمل والإنتاج ، ورغَّب فيه وشجّع عليه ، وصغَّر مِن شأن مَن يتهاون به، أو يحتقره ونوَّه القرآن بأعمالٍ كثيرةٍ في الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها ، ومما يدل على ذلك أن القرآن الكريم دعا إلى الصناعات التي هي من مقومات الحياة  كصناعة الحديد وما فيها من فوائد في الحياة  ، قال الله تعالى عن صناعة الحديد: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ }[الحديد: 25]
 وقال الله تعالى عن مهنة الحدادة: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف:96].
وقال تعالى عن صناعة التعدين: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) [سبأ:12]أي النحاس المذاب المستعمل في صنع الجفان والقدور.
 وقال سبحانه  في صناعة  الجلود : {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ}[النحل: 80].   ومن الصناعات  التي لا يستغني عنها الإنسان صناعة الملابس والكساء قال تعالى عنها: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}[النحل: 80]
 وقال تعالى في  صناعة  الكساء: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ }
 وقال تعالى في بناء المساكن: (وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) [الأعراف:74]. وقال تعالى في صناعة السفن قال: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ) [الرحمن:24]
وقال تعالى في في الصيد: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) [المائدة:94]، وقال تعالى في: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) [المائدة:96].
 وقال تعالى في البيع والتجارة قال: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)[البقرة:275]،  وقال تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ) [البقرة:282].                                                                                               وقال تعالى في الفلاحة والزراعة قال: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة:63-64].
والإشارات في كتاب الله كثيرة على هذه الأعمال المتنوعة.
وممَّا جاء الإسلامُ بتأكيده، والحثِّ عليه: العمل وبناءُ الأرض وعمارِتُها؛ فدعانا إلى أن نعمل إلى آخر لحظة من حياتنا وحتى لحظةَ قيام الساعة حتى لو لم ندرك ثمرة هذا العمل ، وما ذلك إلا  لبيان قيمة العمل وأهمية الإنتاج للأفراد والأمم  فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: "إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا "[[الأدب المفرد للبخاري ورواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح].في هذا الحديث تقديس للعمل، وأنه لا ينقطع العمل في إعمار الأرض حتى حين تنقطع الحياة كلها.
وقد  رأى شابٌّ شيخًا هَرِمًا يغرس شجرةً، فقال له: يا شيخ، لِمَ تغرس شجرًا قد لا تدرك ثمرتها إلا بعد سنين؟ فردَّ عليه الشيخ: يا هذا، غرَس مَن قبلنا فأكلنا، ونحن نغرس ليأكل من بعدنا.
 
واعلموا -معاشر الشباب- ويا من يشكي من البطالة، وقلَّة الوظائف، ويا من يشمئزُّ من الحرف اليدوية، والتجارةِ الحرّة، اعلموا: أنَّ أنبياء الله -عليهم السلام-مع عُلُوِّ درجتهم ونبْل مكانتهم، وشرف رسالتهم كانوا يمتهنون حِرَفًا وأعمالاً، فسيدنا نوحٌ -عليه السلام-  مارس مِهْنةَ صناعة السفن: قال تعالى في حق نبي الله نوح في صناعة السفينة: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) [هود:37]. وقال تعالى {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}[المؤمنون: 27]
وسيدنا داود -عليه السلام- كان خليفةً في الأرض، ومع ذلك كان لا يَأْكُلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، فأصبح حدَّادًا يصنع الدروع من الحديد وهي مهنة سيدنا داود (عليه السلام)  قال تعالى(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ)[الأنبياء:80]، يعني صنعة الدروع. قال ابن حجرٍ -رحمه الله-: "الذي كَانَ يَعْمَلُهُ دَاوُدُ بِيَدِهِ: هُوَ نَسْجُ الدُّرُوعِ، وَأَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَ، فَكَانَ يَنْسِجُ الدُّرُوعَ وَيَبِيعُهَا، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ، مَعَ كَوْنِهِ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُلُوكِ، قَالَ تعالى-: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) [ص: 20]" انتهى كلامه وقال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ‌ فِي السَّرْ‌دِ}[سبأ:10 ، 11] وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" رواه البخاري.
ونبيُّ الله موسى -عليه السلام-: أجَّر نفسه راعيًا للغنم عشر سنين عشر حجج عمل أجيرًا عند الرجل الصالح وراعيَ غنمٍ ، لكي يُعفّ نفسه ويصونَها، بزواجه من ابنة الرجل الصالح في مدين. قال تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ) [القصص: 27]، فتزوج ابنته وعمل عنده عشر سنين.
ونبيُّ الله زَكرِيّا -عليه السلام- كَانَ نَجَّارًا، كما في صحيح مسلم، فكان يصنع ويُصلح الأخشاب قال -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ زَكرِيّا -عليه السلام-   نَجَّارًا" رواه مسلم؛ قال الشيخ العثيمين: وهذا يدل على أن العمل والمهنة ليست نقصًا؛ لأن الأنبياء -عليهم السلام-  كانوا يمارسونها.
بل وجميعُ الأنبياء -عليهم السلام-، وفي مُقدِّمتهم سيدنا محمدٌ خيرٌ الأنام صلَّى الله عليه وسلَّم: كانوا رُعاةً للغنم، قَالَ صلى الله عليه وسلم: "مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ" فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ"[رواه البخاري]. سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم المبعوث رحمة للعالمين، عمل عملاً لا يرضى الآن أحد أن يعمل به، عمل راعي غنم.
ونبينا محمد-صلى الله عليه وسلم- خير الأنبياء رعى الغنم في صباه، وعمل -صلى الله عليه وسلم- أيضاً في التجارة، فخرج إلى الشام في تجارة عمه وزوجه خديجة -رضي الله عنها في شبابه،وقد كان النبيُّ ( صلَّى الله عليه وسلَّم ) يعمل بنفسه، ويقوم على خدمة أهله  ، قالت عائشة (رضي الله عنها): "كان رسول الله ( صلَّى الله عليه وسلَّم ) يَخصِفُ نعله، ويَخيط ثوبَه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدُكم في بيته"[أخرجه  أحمد والترمذي].
قال ابن القيم -رحمه الله- إن النبي-صلى الله عليه وسلم- باع واشترى، وآجر واستأجر، وضارب وتوكل، ووهب واستوهب، واستدان واستعار، وضمن عامًّا وخاصًّا، ووقف وشفع، ولم يعتب ولم يغضب، وحلف واستحلف، ومازح وورَّى ولم يقل إلا حقًّا، وهو الأسوة والقدوة-صلى الله عليه وسلم-.
 
وذكر الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن سيدنا داود كان زرَّاداً،( حدّادا) - يصنع الزرد والدروع - وكان آدم حرَّاثاً، وكان نوح نجَّاراً، وكان إدريس خياطاً، وإبراهيم ولوط كانا يعملان في الزراعة، وكان موسى راعياً،
وصالح تاجرا،وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله تعالى عليهم رعاة للأغنام
 
وهاهم أفضل وأكرم الخلقِ بعد الأنبياء، الصحابة- رضي الله عنهم-، عملوا فكان، منهم الراعي والكاتب والخادم والتاجر والخياط والحلاق والنبَّال والسقَّاء والفلاّح وغيرها كثير. فكانوا تُجَّاراً في الأسواق، ومُنشغلين بالبيع والزراعة وجلبِ الأرزاق، قَالَ أَبو هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: "يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ: كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ"[متفق عليه].
قال ابن بطالٍ -رحمه الله-: في هذا الحديث: "عمل الصحابة في الحرث والزرعِ بأيديهم، وخدمةُ ذلك بأنفسهم، وأنَّ الامتهانَ في طلب المعاش للرجال والنساء: مِن فعل الصالحين، وأنه لا عار فيه ولا نقيصةَ على أهل الفضل" انتهى كلامه.
ولقد كان سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- أتجر قريش، وكان سيدنا عمر -رضي الله عنه- يقول: "يا أيها الناس: كتب عليكم أن يأخذ أحدكم ماله فيبتغي فيه من فضل الله -عز وجل-؛ فإن فيه العبادة والتصديق، وايم الله، لأن أموت في شعبتي رحلي، وأنا ابتغي بمالي في الأرض من فضل الله، أحب إليّ من أن أموت على فراشي".وما قتل الخليفة الراشد سيدنا عثمان -رضي الله عنه- حتى بلغت غلة نخله مائة ألف. وقال سيدنا عبد الرحمن بن عوف: "يا حبذا المال، أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي".
 
وسيدنا عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي الله عنه- حينما أَرَاد أَنْ يتزوج فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وليس عنده مالٌ ولا وظيفة، إنما كَانَتْ له ناقتان، فبدأ يعمل ويُتاجر بهما، فيحمل عليهما المتاعَ ويبيعه في السوق؟. وهكذا كان الأفاضل من التابعين والصالحين، مع اهْتمامهم بأمور الآخرة، إلا أنهم كانوا يُمارسون الحرف والتجارة، ولا يرونها عيباً ومهانة. قال سفيان الثوري -رحمه الله-: "عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال".وقد كان كبار الصحابة، وزُهُّادُهم وعُلماؤهم: يعملون بالتجارة، ويسعون إلى تنميةِ أموالهم
روى البخاري في صحيحه أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- دَعَا لعَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ بالبركة، وكَانَ يَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ -رضي الله عنهما-، فَيَقُولَانِ لَهُ: أَشْرِكْنَا في تجارتك؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَفعل ذلك وأشْرَكَهُمْ. وهم يفعلون ذلك؛ لما علموه من منافع الأموال وفائدتِها، والضررِ المترتِّب عند الحاجةِ إليها
وكان علماء المسلمين يعملون بأيديهم، رغم أنهم قادة وأساتذة وأدباء، لا يجدون غضاضة في ذلك ولا عجب إن رأينا أئمة الإسلام، وأكابر علمائه، الذين سارت بذكرهم الركبان، والذين خلدتهم آثارهم، ومؤلفاتهم، كانوا لا يُنسبون إلى آبائهم وأجدادهم، بل إلى حرفهم وصناعاتهم، التي كانوا يتعيشون منها، ولم يجدوا هم كما لم يجد مجتمعهم الإسلامي على مرّ العصور أية غضاضة في ذلك، أو أية مهانة في الانتساب إلى تلك الحرف والصناعات
واشتهرت أسماؤهم بأسماء مهنهم وحرفهم، فمنهم: الخشَّاب بائع الخشب والحدَّاد (صانع يحمي الحديد و يطرقه لتشكيله بحسب الشكل المطلوب) والصوَّاف بائع الصوف والخصَّاف (( الخصاف من يخصف النعال) والعلَّاف (بائع العلف) والقطَّان (من يتجر بالقطن) والطحَّان (الذي يعمل في الطاحونة يطحن الطحين)  والبقَّال( بائع البقول و نحوها والبصَّال (بصل) والقفَّال (من يصنع الأقفال أو يبيعها) والبزَّاز (بائع البزور) الخياط (من حرفته الخياطة) الصبان (صانع الصابون وبائعه) والجمَّال (صاحب الجمل و العامل عليه) والنجَّار (من حرفته نجر الخشب وصنعه )والبنَّاء( من حرفته البناء) والجصَّاص (الجصاص ) صانع الجص و بائعه  والجص  من مواد البناء) والخواص (الخواص  بائع الخوص و الذي يعمل الأشياء منه  من ورق النخل و المقل)  والغَزَّالي (صناعة الغَزْل) والإسْكَافي (يصلح الأحذية) والآجُرِّي (صناعة الآجُرِّ) والقُدُوْرِي (صناعة وبيع القُدُور) والبَاقِلَّاني (بيع الباقلاء)، والمَاوَرْدِي (صنع وبيع ماء الورد). كلهم من كبار العلماء، الذين سارت بذكرهم الركبان، وخلدتهم مؤلفاتهم، وإنتاجهم العلمي، ولعل من السلف الصالح من علماء دمشق من كان نجاراً، ومن كان قصَّاباً وهو من أئمة القرَّاء، ومن كان حداداً، هذا شيء يرفع من قيمة العلم، بل إن الإمام أبا حنيفة النعمان كان تاجر أقمشة.
 
فيا معاشر الشباب: هؤلاء الأنبياء والمرسلون، والصحابة المتقون، والسلف الصالحون، منهم النجارون والمزارعون، ورُعاةُ الأغنام والنَّسَّاجون، ولم يزدهم ذلك إلا رفعة في الدنيا والآخرة، ولم يترفعوا عن هذه الأعمال، فما بالكم تترفعون عنها وتشمئزُّون منها، وترضون بالبطالة. فهل يعي شبابُنا هذا الْمَبدأ، وهو أنْ يعملوا ويَجِدُّوا في طلب المال، ليُحصِّنوا أنفسهم، ولا ينتظروا الوظائف الرسمية، ولا الأعمال الحكومية، فما بالهم يتأخرون عن الزواج، وإحصانِ فرجهم، بدعوى البطالةِ وعدمِ الوظيفة؟
فأين هم مِن نبيِّنا وقُدْوتِنا -صلى لله عليه وسلم-، الذي كان يُتاجر في مال خديجة -رضي الله عنها- أيَّام شبابه، ليتحصل على مالٍ يُغني به نفسه، ويُقدِّمُه مهراً لزواجه؟وأين هم مِن موسى -عليه السلام - الذي كان يُؤجِّر نفسه راعيًا للغنم عشر سنين0
واعلموا -معاشر المسلمين-: أنَّ تقاعُس شبابنا عن العمل، بحجة عدمِ مُلاءمته لهم، سببٌ رئيسيٌّ في انتشارِ البطالة، مِمَّا زاد في مُعدَّلات الجريمة، بسبب الفراغ والحقد على الدولة وأصحابِ الأموال. ومن الجهل والحماقة: أنْ ينظُر بعض الناس نحو الحِرَفِ اليدويةِ: نظرةً دُونيَّةً ازدرائيةً. فهل يليق بأنْ نَصِفَ من يعملُ في رفع القُمامة، وإماطةِ الأذى، وتنظيفِ الطُرقات والْممرات، يبتغي من ذلك إطعامَ أطفاله، أو إعفافَ نفسه: هل يليق بأنْ نَصِفَه بصفاتٍ قبيحة، ونَنْظُرَ إليه نظرةَ احتقارٍ وازدراء؟. ما ذا لو امْتَنَعُوا عن العمل، كيف ستكون شوارعنا وطُرُقاتُنا، وسنعرف حينها قيمة ما عملوه لِمُجْتَمَعِنا؟
 
ومشكلة البطالة.مشكلة اجتماعية خطيرة على الفرد والمجتمع وتعرَّف البطالة بأنها الحالة التي يكون فيها الشخص قادرًا على العمل وراغبًا فيه ولكن لا يجد العمل والأجر المناسبين، أو لا يريد الانخراط فيه. وأكاد أجزم أنه لا يوجد بيت في هذه المدينة إلا وفيه شاب أو شابان أو أكثر نائم عند أهله لم يجد عملاً أو لا يريد عملاً، وهذه المشكلة على مستوى عالمي وعربي، فلقد تفشت البطالة في الوطن العربي حتى بلغ عدد العاطلين عن العمل في الوطن العربي ستة عشر مليون شخص، ويتوقع أن تصل إلى ثمانين مليون شخص بحلول عام 2020م.
عباد الله: ومما لا شك فيه أن البطالة هي المسئولة عن ارتفاع معدلات الجريمة والانحراف في أي مجتمع؛ ولذلك فإنها مشكلة تؤرق العالم أجمع، فقد أشارت دراسة إلى وجود درجة مقبولة من الارتباط بين هذين المتغيّرين، فكلما زادت نسبة البطالة ارتفعت نسبة الجريمة.ومن أهم ما ورد في تلك الدراسة أن جريمة السرقة تعد من أبرز الجرائم المرتبطة بالبطالة، وأكدت هذه الدراسة أيضًا أنه كلما ازدادت نسبة البطالة ازدادت الجرائم التي تندرج تحت الاعتداء على النفس: كالقتل الاغتصاب السطو والإيذاء الجسدي. ولا يمكن القول أو الحكم هنا بأن البطالة هي السبب المباشر للجريمة، وإلا صار كل عاطل وكل فقير مجرمًا، وهذا أمر مرفوض ولا يحتاج إلى أي تدليل عليه، وإنما نقول: إن البطالة تحتوي على بذور الجريمة إذا صاحبتها عوامل معينة بظروف معينة.
أما المخدرات فإن مرتعها هم الشباب العاطلون، وحدّث ولا حرج عما يحدث منهم في استخدام وترويج هذا البلاء وما يتبعه من مفاسد ومشاكل وجرائم.عباد الله: آثار البطالة على الأسرة تتمثل في فقد رب الأسرة، والشعور بعدم القدرة على تحمل المسؤولية والتوتر والقلق، أما آثارها على المجتمع فتتمثل في تعطّل طاقات قادرة على الإنتاج، وتفقد العاطلَ الدخل؛ ما ينتج عنه اجتماعيًا الشرور والجرائم نتيجة الفراغ والقلق، فتجده ينقم على غيره. وصحيًّا تفقده الحركة، ونفسيًّا يعيش في فراغ قاتل.
يا أيها الشباب، يا من يسمع كلامي أو يسمع به: إنه لا مكان في هذه الأيام لمن لم يهتمّ بنفسه، لا مكان لمن لم يعدّ نفسه، لا مكان لمن لم يكن جادًّا، لا مكان للمستهترين، إن سوق العمل تجاوزك. يا من يريد الراحة والكسل والدعة: لا مكان لك فإنك ستكون من العاطلين الباطلين، فابحث لنفسك عن حرفة وتعلّمها، وطوّر نفسك فيها وارفع من شأنك؛ فإن قيمة كل امرئ ما يحسن، والحَقْ لا يفتك الركب.
عباد الله: إن البطالة مشكلة اقتصادية واجتماعية وإنسانية ذات خطر، فإذا لم تجد العلاج الناجح تفاقم خطرها على الفرد وعلى الأسرة وعلى المجتمع، يقول الراغب الأصفهاني -رحمه الله-: "من تعطّل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى". وورد في بعض الآثار: "إن الله يحب المؤمن المحترف ويكره البطال".
ولقد عالج الإسلام ظاهرة البطالة بوضع مجموعة من القواعد والتنظيمات لمعالجة ظاهرة البطالة، ومن أجل الحثّ على العمل والبعد عن المسألة، وفي هذا ردّ على الذين يتهمون الشريعة الإسلامية بأنها تحبّذ جانب الفقر على الغنى
شبابَنا: لا تأنفوا من أي عمل شريف، فقد سمعتم ما قال نبيكم في ذلك، وكيف حثّكم على العمل، فكم هي المحلات التجارية التي تريدكم والأعمال المهنيّة الشريفة التي يحتاجها البلد من نجارة وحدادة وكهرباء للمنازل والسيارات وغيرها من الأعمال والتي قد تتعلمونها وتحسنونها.
وإذا كان العمل يُلْبِسُ أهله لباس الاستغناء والكرامة، فإن للبطالة ثوبُ حقير فضفاض؛ يقول عمر -رضي الله عنه-: "أرى الفتى فيعجبني فإذا قيل لا حرفة له سقط من عيني".ويقول أيضاً: "مَكْسَبَةٌ فيها دناءة خيرٌ من مسألة الناس". ويأبى الرجال، أصحاب الهمم العالية، الرضا بالدون من العيش، حتى لو وجدوا ما يكفلُ لهم معاشهم
 هاهو عبدُ الرحمن بنُ عوف -رضي الله عنه- لا يقبل عرض أخيه من الأنصاري سعد بن الربيع، ليشاطره ماله، بل قال: "دلوني على السوق" فنزل فعمل في التجارة، حتى أصبح من أغنياء الصحابة، ينفق على الجيوش في سبيل الله، ويسير القوافل لنصرة دين الله.إن البطالة -أيها الأحبة-: تجعل صاحبَها كلّاً على غيره، يتنكرُ له العارفون ويستثقله حتى الأقربون، تنفكُ من حوله الأواصر، وتنقطعُ الصلات، إنها مصيبة تحترق في سعيرها الفضائل والمصالح وتذوب في مضاعفاتها الأفراد والجماعات.
 
أيها الإخوة: إن الجد والنشاط في العمل من أعظم الأعمال وأجلها إذا صلحت النية، واسمعوا إلى هذا الموقف العجيب؛ أيها الإخوة: إن على الآباء والمربين، ومن ولي أمر المسلمين: أن يرشدوا الشباب العاطلين عن العمل إلى سبل الرزق، وأن يبينوا لهم طرقها، وأن يغرسوا فيهم حب العمل، وأن الكسب يحتاج إلى صبر ومثابرة، وحسن تدبير
وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستعيذ بالله من العجز والكسل، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ) [ أخرجه مسلم ].
ومن ثَمَّ كان ترغيب الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في العمل ونهيه عن البطالة والكسل، فعن أبي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) يَقُولُ :  قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَه» [ أخرجه البخاري] ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ( رضي الله عنهما ) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) عَنْ أَطْيَبِ الْكَسْبِ، فَقَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٌ» [أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير ]. وعَنِ الْمِقْدَامِ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) عَنْ رَسُولِ (صلى الله عليه وسلم) اللهِ قَالَ : “مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ” أخرجه البخاري. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) :”إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنُوبًا لا تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَلا الصِّيَامُ وَلا الْحَجُّ وَلا الْعُمْرَةُ”،  قَالُوا: فَمَا يُكَفِّرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:”الْهُمُومُ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ”أخرجه الطبراني، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ : « السَّاعِى عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ – وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَكَالْقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لاَ يُفْطِرُ» متفق عليه.
وعن عبد الله بن عباس عن أبيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له". أخرجه الطبراني في الأوسط، وعن عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم". أخرجه الترمذي في سننه، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خير الكسب كسب العامل إذا نصح". أخرجه أحمد في مسنده.
 
 
أيها المسلمون: إنَّ طلب الحلال وتحريه أمر واجب وحتم لازم فلا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ . قال لقمان الحكيم لابنه يوما: يا بني، استعن بالكسب الحلال؛ فإنه ما افتقر أحد قــط إلا أصابه ثلاث خصــال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته؛ وأعظم من هذه الخصــال: استخفاف الناس به
 إنَّ حقاً على كل مسلم ومسلمة أن يتحرى الطيب من الكسب والنزيه من العمل ليأكل حلالاً وينفق في حلال, وتأملوا رحمكم الله في حال الصديق رضي الله عنه فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت كان لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ له الْخَرَاجَ وكان أبو بَكْرٍ يَأْكُلُ من خَرَاجِهِ فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ منه أبو بَكْرٍ فقال له الْغُلَامُ تدري ما هذا فقال أبو بَكْرٍ وما هو قال كنت تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ في الْجَاهِلِيَّةِ وما أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ إلا أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ فَهَذَا الذي أَكَلْتَ منه فَأَدْخَلَ أبو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ في بَطْنِهِ " البخاري (3629) وفي رواية قال" إن كدت أن تهلكني فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ وجعلت لا تخرج فقيل له إن هذه لا تخرج إلا بالماء فدعا بطست من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها فقيل له يرحمك الله أكلَّ هذا من أجل هذه اللقمة ؟ قال لو لم تخرج إلَّا مع نفسي لأخرجتها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به " فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة . حلية الأولياء (ج1 ص31) وقيل أدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ظنَّ أن نفسه ستخرج، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء.
ومن ذلك -أيضاً- ما رواه عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر ، فكانت له ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبناً أنكره، فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فخليت لك ناقة من مال الله، فقال: ويحك تسقينى نارًا فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر ، حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك، ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر، بل انظر كيف فرَّق- بحلاوة إيمانه ومذاقه- بين طعم الحلال وبين ما فيه شبهة.
 
إن تحري الحلال له تأثير على نفسك وجميع جوارحك، قال سهل رضي الله عنه: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم؛ ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات. وقال بعض السلف: إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه، ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر.
عباد الله: حق عليكم تحري الحلال واتقوا الله جميعاً في أنفسكم وفي أولادكم لا تطعموهم الحرام فإنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على حر النار توصي بعض الصالحات زوجها فتقول: " يا هذا اتقي الله في رزقنا فإنَّنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار "
 
أولئك هم الصالحون يخرجون الحرام والمشتبه من أجوافهم وقد دخل عليهم من غير علمهم , ثمَّ خلفت من بعدهم خلوف يعمدون إلى الحرام ليملئوا به بطونهم وبطون أهليهم وأولادهم لا يبالون بما اخذوا من الحرام فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ" البخاري (1954)


وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" مسلم (1015 ))[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

أيها المسلمون: أرأيتم ذلك الرجل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقال عنه يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ يا رَبِّ يا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)

لقد استجمع هذا الرجل من صفات الذلة والمسكنة والحاجة والفاقة ما يدعوا إلى رثاء حاله ويؤكد شدة افتقاره ويؤهله لاستجابة دعوته فقد تقطعت به السبل وطال عليه السفر وتغربت به الديار وتربت يداه وأشعثَّ رأسه واغبرَّت قدماه ولكنَّه قطع صلته بالله وحرم نفسه من مدد خالقه ومولاه فحيل بين دعائه وبين القبول لأنَّه أكل الحرام وشرب الحرام واكتسى من الحرام ونبت لحمه من الحرام فردت يداه خائبتين وأيُّ لحم نبت من سحت ـ أي حرام ـ فالنار أولى به .
أيها المسلمون : قولوا لي بربكم ماذا يبقى للعبد إذا انقطعت صلته بربه وحجب دعائه وحيل بينه وبين القبول والرحمة ؟ لمثل هذا قال وهيب بن الورد:" لو قمت في العبادة قيام هذه السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أم حرام" حلية الأولياء ج 8 ص154
 إنَّ العجب كلَّ العجب ممن يحتمي من الحلال مخافة المرض لنصح طبيب ولا يحتمي من الحرام مخافة النار وقد نصحه أرحم الراحمين ونصحه بعده أصدق الخلق أجمعين .


أيها المسلمون إنَّ أكل الحرام يعمي البصيرة ويضعف الدين ويقسي القلب ويظلم الفكر ويقعد الجوارح عن الطاعات ويوقع في حبائل الدنيا وغوائلها ويحجب الدعاء ولا يتقبل الله إلَّا من المتقين , وإنَّ للمكاسب المحرمة آثار سيئة على الفرد والمجتمع تنزع البركات وتفشوا العاهات وتحل الكوارث ـ أزمات مالية مستحكمة وبطالة متفشية وتظالم وشحناء إذا كان الكسب من حرام ـ فويل ثمَّ ويل للذين يأكلون الحرام ويتغذَّون بالحرام ويربُّون أولادهم وأهليهم على الحرام إنَّهم كالشارب من ما البحر كلما ازدادوا شرباً ازدادوا عطشا , شاربون شرب الهيم لا يقنعون بقليل ولا يغنيهم كثير يستمرؤن الحرام ويسلكون المسالك المعوجة من ربا وقمار وغصب وسرقة وغش واحتيال , تطفيفٌ في الكيل والوزن وكتمُ للعيوب , سحرٌ وتنجيم وشعوذة وأكلٌ لأموال اليتامى والقصار وانتهابٌ لأموال العمال بغير حق , أيمانٌ فاجرة ولهو وملاهي , مكرٌ وخديعة ، زورٌ وخيانة , رشوةٌ وتزوير وطرقٌ مظلمة كثيرة  
أيها العمال والموظفون، أيها الصناع والتجار، أيها السماسرة والمقاولون، أيها المسلمون والمسلمات، إياكم أن يكون طلبكم للرزق مفضياً إلى الكسب الحرام من ربا أو غش أو خداع أو قمار أونحوها مما يتحصل به على الحرام. وإياكم أن تكون هذه الأرزاق من الله لكم سبيلاً للفساد في الأرض أو الصدود عن سبيل الله، أو منع ما أوجب الله.
 
عبــــــاد الله: وإذا كان العمل بهذه الأهمية والمكانة فإن له آداباً وواجباتٍ ينبغي لكل مسلم أن يلتزم بها وهو يقوم بأي عمل من الأعمال، فعليه ابتداء أن يتقن عمله، وتلك صفة عظيمة في حياة المؤمن؛ فالإسلام يَحُضُّ على إحسان العمل وزِيادة الإنتاج والاجتهاد ، ويعدُّ ذلك أمانة ومسؤوليَّة في عنق العامل أو الموظف، فليس المطلوب في الإسلام القيام بالعمل فحسب ، بل لا بُدَّ من الإخلاص والإتقان  والإجادة فيه وأدائه بكل أمانة؛ فذلك سبب  للوصول إلى محبَّة الله  تعالى ، ومن أحبه الله هداه واجتباه،  وحفظه ووقاه وأسعده  في الدنيا والآخرة لذلك كانت مطالبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالإتقان في الأعمال، فعن عائشة (رضي الله عنها) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (" إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ "( السلسلة الصحيحة (1113)ورواه البيهقي في الشعب )
فالإتقان سمة أساسية في الشخصية المسلمة يربيها الإسلام فيه منذ أن يدخل فيه، وهي التي تحدث التغيير في سلوكه ونشاطه، ولأن كل عمل يقوم به المسلم بنيّة العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه سواء أكان عمل دنيا أم آخرة؛ قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162-163]
وبالعمل المتقن نتبوأ الصدارة بين الأمم، والله سبحانه وتعالى يحب اليد التي تعمل وتجدّ لتقدم الخير لنفسها ودينها ووطنها، وتقدم الأمة في الصناعات المختلفة وريادتها في الأعمال المبتكرة يحقق لها الحصانة  من الأعداء المتربصين بها ، والطامعين في ثرواتها وخيراتها فإتقان العمل وإحسان أدائه من الواجبات الشرعية التي دعا إليها الإسلام 
ومن آداب العمل في الإسلام أن يكون العامل قويًّا أمينًا، والقوة تتحقق بأن يكون عالمًا بالعمل الذي يسند إليه، وقادرًا على القيام به، وأن يكون أمينًا على ما تحت يده، قال الله -تعالى-: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ([القصص:26].
وأن يكون العاملُ بعيداً عن الغش والتحايل؛ فالغش ليس من صفات المؤمنين، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من غش فليس مني" رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وقد مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برجل يبيع طعاما "حبوبا"، فأدخل يده فيه فرأى بللا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟"، قال: أصابته السماء، أي: المطر، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غشنا ليس منا" رواه مسلم.
ومن القِيَم التي ينبغي الالتِزام بها في العمل أو المهنة  الحرصُ على أداء الواجبات قبلَ المطالَبة بالحقوق، فهذا ما ينبغي أنْ يكون عليه خُلُقُ المسلم ، سواء أكان عاملاً أم تاجرًا أم موظفًا أم زارعًا ، أم طبيبًا أم مهندسًا أم سائقًا فيؤدي ما عليه من واجبات، ثم يُطالِب بعد ذلك بحقوقه ، ذلك أنَّ  أداء الواجب هو في الحقيقة حقٌّ للطرف الآخر.
  ولا حق بدون واجب، ولا كسب بلا تعب وجهد ،فقد ربط الإسلام بين الحقوق والواجبات وبين المكاسب والتضحيات، وقد  حدد الإسلام ما  ينبغي على العامل أن يتحلي به من  القيم الإيمانية والأخلاقية ، ومنها الإيمان بأن العمل عبادة وطاعة لله (سبحانه وتعالى)  وأن الله تعالى سوف يحاسبه يوم القيامة عن عمله قال الله تعالى : {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[التوبة: 91].
ومن الآداب والواجبات على العامل المسلم الالتزام بالمواعيد، والنصح لصاحب العمل، وتحري الحلال، والبعد عن الأعمال المحرمة. ويجب على العامل أن يحفظ أسرار عمله، فلا يتحدث إلى أحد خارج عمله عن أمورٍ تعتبر من أسرار العمل، وعليه أن يلتزم بقوانين العمل. ويجب على العامل أيضا أن يحافظ على أداء الصلوات، وإيتاء الزكاة، والقيام بسائر العبادات على أكمل وأحسن وجه، بل إن ذلك من أسباب الحصول على الرزق والتوسعة فيه، قال -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طـه:132]. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ''ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله'' رواه مسلم.
 أحد المهندسين المغاربة سافر إلى بريطانيا ليعمل في مصنع للسيارات وكان ماهرًا في عمله وعنده الوثائق اللازمة للعمل فلما قدم أوراقه وقبلوه اشترط عليهم أن يذهب خمس دقائق عند ما يحين وقت الصلاة ليصلي ... رفضوا في أول الأمر ثم وافقوا على مضض لحاجتهم إليه وبعد أخذ ورد استلم عمله فكان نعم العامل المنضبط والمجتهد والمتقن لعمله فأعجب به مدير المصنع حتى إنه كان إذا حان وقت الصلاة يذهب بنفسه إلى هذا المهندس ليقول له حان الآن وقت الصلاة .. إنه من عمل شيئًا لله أعطاه الله خيرا كثيرا ورزقه من حيث لا يحتسب وحببه إلى قلوب خلقه..
ومن هذه الآداب عدم استغلال العمل والمنصب لأجل تحقيق مصلحة شخصية (لنفسه أو قرابته) دون وجه حق شرعي أو قانوني.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (رواه أبو داود)..
 
ومن هذه الآداب الالتزام بالاستمرار، والتبكير إلى العمل، حيث يكون النشاط موفورًا، وتتحقق البركة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" رواه الترمذي وابن ماجه. هذه آداب العمل وواجبات العامل في الإسلام، وغيرها كثير، فيها الراحة والسعادة والأمن والأمان للفرد والمجتمع، وفيها رضا الله، وسعة رزقه، وتتابع بره، وحلول بركته
عبــــــــاد الله: نظم الإسلام العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وجعل لكلِّ منهما حقوقًا وواجبات فقد ضمن الإسلام حقوقًا للعامل يجب على صاحب العمل أن يؤديها له، ومنها
الحقوق المالية: وهي دفع الأجر المناسب له، قال الله تعالى: ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [هود: 85]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ » [))ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ] فلا يُحرم عامل في الإسلام جزاء عمله، وثمرة جهده، بل يُعطى أجره قبل أن يجفَّ عرقه، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أعطوا الأجير أجراً، أي أجر، قد يكون هذا الأجر ليس في مستوى عمله، ولكن أعطوا الأجير أجره أي الأجر الذي يستحقه، الأجر الذي يكافئ عمله، الأجر الذي يكافئ جهده، الأجر الذي يكافئ إتقانه. ( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ)ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]أمر الإسلام أن يُعطى المسلم الأجر المناسب لجهده، وكفايته، وخبرته النادرة، وحاجته بالمعروف، فلا بخس ولا شطط، لأنه إذا أعطي أقل مما يستحق فقد ظلم، والظلم من أشد المحرمات في الإسلام
 وروي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر, ورجل باع حرا فأكل ثمنه, ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره». البخاري
 ومن ذلك الحقوق البدنية: وهي الحق في الراحة، قال تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) [البقرة: 286]. ولا يجوز إرهاق العامل إرهاقًا يضر بصحته ويجعله عاجزًا عن العمل، ولقد قال سيدنا شعيب لسيدنا موسى عليهما السلام حين أراد أن يعمل له في ماله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) [القصص: 27]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فلْيطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» [متفق عليه].
وكذلك يجب على صاحب العمل أن يوفر للعامل ما يلزمه من رعاية صحية... وأن يمكن العامل من أداء ما افترضه الله عليه من طاعة كالصلاة والصيام، فالعامل المتدين أقرب الناس إلى الخير ويؤدى عمله في إخلاص ومراقبة وأداء للأمانة، وصيانة لما عهد إليه به وليحذر صاحب العمل أن يكون في موقفه هذا ممن يصد عن سبيل الله ويعطل شعائر الدين قال تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [إبراهيم: 3].هكذا أعز الإسلام العامل ورعاه وكرمه، واعترف بحقوقه لأول مرة في تاريخ العمل، بعد أن كان العمل في بعض الشرائع القديمة معناه الرق والتبعية، وفي البعض الآخر معناه المذلة والهوان.. فالتزموا رحمكم الله بآداب العمل وقوموا بحقوق العمال واشكروا ربكم على نعمه الغزار تفلحوا في الدنيا والآخرة.
عبـــــــاد الله: عندما كان المسلمون يتعاملون بهذه القيم وبهذه الأخلاق كان العامل المسلم في أي مجال من مجالات العمل يستشعر هذه المسؤولية وهذه الأمانة ويقوم بواجبه على أكمل وجه، لا تغره المناصب ولا تستهويه وتفسده الأموال. لقد دعا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سعيد بن عامر الجمحي إلى مؤازرته وقال: يا سعيد، إنا مولوك على أهل (حمص). فقال سعيد: يا عمر، ناشدتك الله ألا تفْتِنِّي. فغضب عمر وقال: ويحكم! وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني؟! والله لا أدعك. ثم ولاه على (حمص)، ثم مضى إلى حمص، وما هو إلا قليل من الزمن حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص، فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسدّ حاجتهم، فرفعوا كتابا؛ فإذا فيه: فلان وفلان وسعيد بن عامر، فقال: ومَن سعيد بن عامر؟! فقالوا: أميرنا! قال: أميركم فقير؟! قالوا: نعم، ووالله إنه ليمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار، فبكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته. ولم يمض على ذلك طويل وقت حتى أتى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ديار الشام يتفقد أحوالها، فلما نزل بـ(حمص) لقيه أهلها للسلام عليه، فقال: كيف وجدتم أميركم؟ قالوا: نعم الأمير يا عمر! إلا أنهم شكوا إليه ثلاثاً من أفعاله، كل واحد منها أعظم من الآخر! قال عمر: اللهم لا تخيب ظني فيه. وجمعهم به، ثم قال: ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، فقال عمر: وما تقول في ذلك يا سعيد؟ فسكت قليلا، ثم قال: والله إني كنت أكره أن أقول ذلك، أما وإنه لا بد منه، فإنه ليس لأهلي خادم، فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم، ثم أتريث قليلا حتى يختمر، ثم أخبزه لهم، ثم أتوضأ وأخرج للناس. قال عمر: وما تشكون منه أيضا؟ قالوا: إنه لا يجيب أحدا بليل، قال عمر: وما تقول في ذلك يا سعيد؟ قال: إني والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضا، فإني قد جعلت النهار لهم ولربي الله الليل. ثم قال عمر: وما تشكون منه أيضا؟ قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمن في مجلسه، قال عمر: وما هذا يا سعيد؟! فقال: شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك، ورأيت قريشاً تقطع جسده وهي تقول: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ فيقول: والله ما أحب أن أكون آمنا في أهلي وولدي، وأن محمدا تشوكه شوكة. وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي، وأصابتني تلك الغشية. عند ذلك قال عمر: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيك. هذا هو العمل، وهكذا يكون تحمل المسؤولية، وهكذا تؤدى الأمانات؛ علوٌّ في الحياة وفي الممات، وفي الآخرة الأجر عند خالق الأرض والسموات.
أسباب ترك العمل
من الناس من يترك العمل لأنه لم يتيسر له في بلده ومسقط رأسه وموطن أهله وعشيرته فهو يكره الغربة وينفر من الترحال ويؤثر الإقامة في موطنه مع البطالة والفقر على الهجرة والسفر مع السعه والغنى
وهؤلاء قد حثهم الإسلام على الهجرة وبين لهم أن أرض الله واسعة وأن رزق الله غير محدود بمكان ولا محصور في جهة فإذا أدرك أحدهم الموت بعيدا عن أهله غريبا عن موطنه قيس له من مولده إلى مدفنه في الجنة
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم-: سافروا تستغنوا رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات  كما قال المنذرى في الترغيب
وقال تعالى وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (النساء100)
 
وقال تعالى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المزمل20) }
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا لَيْتَهُ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ (الطبرانى عن ابن عمرو) قال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان
المؤلف : محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي تحقيق : شعيب الأرنؤوط
هذا الحديث حسنه الشيخ الألباني ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : قيس له ما بين مولده إلى منقطع أثره في الجنة . أنه يعطى في الجنة مسافة قدرها قدر ما بين مكان ميلاده إلى المكان الذي انقطع فيه أثره أي انقطع أجله . كذا في شرح سنن النسائي وعزاه للطيبي وهذه المسافة التي تعطى له في الجنة هي جزاؤه ، وقد ذكر ابن القيم في مدارج السالكين رواية أخرى توضح الجزاء أكثر وهي رواية ابن لهيعة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر رجل بالمدينة فقال : ياله لو مات غريباً ، فقيل له: وما للغريب يموت بغير أرضه ، فقال ، ما من غريب يموت بغير أرضه إلا قيس له من تربته إلى مولده في الجنة . فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه فتاوى الشبكة الإسلامية رقم الفتوى : 69594 عنوان الفتوى : شرح حديث (قيس له ما بين مولده إلى منقطع أثره)
تاريخ الفتوى : 03 ذو القعدة 1426
فهل رأت البشرية تشجيعا على العمل والسياحة والهجرة لكل غرض مشروع أروع من هذا التشجيع
 وعلى هدى هذه الأحاديث وأمثالها انطلق المسلمون فى فجاج الأرض ينشرون الدين ويلتمسون الرزق ويطلبون العلم ويجاهدون فى سبيل الله
وقد سئلت أم مسلمة عن تفرق أولا دها فى شرق الأرض ومغاربها حتى مات هذا فى جهة وهذا فى جهة أخرى فقالت الأم باعدت بينهم الهمم
ومن الناس من يترك العمل بحجة أنه متوكل على الله إن كثيرا من الناس يقعد في بيته وينتظر الرزق مع أنه لم يأخذ بالأسباب ولم يسع عليه فكيف يأتيه؟!!ولذلك روى ابن أبي الدنيا في "التوكل" بسنده عن معاوية بن قرة، أن عمر بن الخطاب، لقي ناسا من أهل اليمن، فقال : من أنتم؟ قالوا : نحن المتوكلون. قال : بل أنتم المتكلون، إنما « المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله ».  و رأى الفاروق -رضي الله عنه- أيضا قومًا قابعين في ركن المسجد بعد صلاة الجمعة، فسألهم: من أنتم؟! قالوا: نحن المتوكلون على الله، فعلاهم عمر بِدِرَّتِهِ ونهرهم وقال: " لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وإن الله يقول: (فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ) [الجمعة:10].وإن كان الفاروق يشكو من متوكلين لا يعملون، ففي حياتنا المعاصرة نشكو من الأمرين معًا، من متوكلين لا يعملون، ومن عاملين لا يتوكلون.
 
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون فيأتون إلى مكة فيسألون الناس، فأنزل الله: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ) [البقرة:197]. قال محمد بن عبيد: كان سفيان الثوري يمر بنا ونحن جلوس بالمسجد الحرام، فيقول: ما يجلسكم؟! قلنا: فما نصنع؟! قال: "اطلبوا من فضل الله، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين".
وسأل رجل  الإمام أَحْمَدَ ابن حنبل فقال: أيخرج أحدنا إلى مكة متوكلاً لا يحمل معه شيئًا؟! قال: لا يعجبني، فمن أين يأكل؟! قال: يتوكل فيعطيه الناس، قال: "فإذا لم يعطوه أليس يتشرف حتى يعطوه؟! لا يعجبني هذا، لم يبلغني أن أحدًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والتابعين فعل هذا، ولكن يعمل ويطلب ويتحرى".
وقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: "قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ: لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي رِزْقِي؟ فَقَالَ أَحْمَدُ -رحمه الله-: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي"[رواه البخاري ورواه أحمد من حديث ابن عمر جعل رزقي تحت ظل رمحي وإسناده صحيح*
وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ الطَّيْرَ(لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا "[ رواه أحمد و الترمذي وابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قال الترمذي حسن صحيح].فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق، وهذا الحديث أخطأ القَعَدَة في فهمه، فإن الطيور لم يأتها رزقها رغدًا إلى أوكارها، وهي قابعة في أعشاشها، وإنما غدت في الصباح سعيًا في طلبه، وراحت في المساء وقد شبعت من رزق الله تعالى وفضله.                                                          ولعل هذا الحديث في ظاهره يدعو إلى عدم السعي، لأنه لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاًجائعة- وتروح بطاناً، لكن معناه يدعو إلى السعي والعمل  ففي اللغة غدا بمعنى ذهب إلى عمله قبل الشمسبورك لأمتي في بكورها ))رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]وراح عاد إلى بيته بعد الغروب. الحديث نفسه يرد على هؤلاء، إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: تغدو خماصاً، وتروح بطاناً، لم يضمن لهم الرواح - والطيور بطان -ملأى البطون- إلا بعد أن غدت ساعيةً على رزقها، غدت خرجت من أعشاشها، تسعى وتطلب الرزق، فعادت ملأى شبعانة، إذاً هي تحركت، ذهبت والله جل جلاله أكرمها ورزقها.
 
قصة طريفة، تُروى عن شقيق البلخي أحد الصالحين، أنه ذهب في رحلة تجارية، يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله، وقبل سفره ودع العالم الزاهد المعروف إبراهيم ابن أدهم، ولم تمض إلاأيام قليلة حتى عاد شقيق، ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجباً: ما الذي عجل في عودتك يا شقيق !.. قال: رأيت في سفري عجباً، وعدلت عن الرحلة.قال إبراهيم: خيراً ماذا رأيت ؟ قال شقيق: أويت إلى مكان لأستريح فيه من وعثاء السفر، فوجدت في هذا المكان طائراً كسيحاً أعمى، فعجبت، دخلت، قلت في نفسي كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي وهو لا يُبصر ولا يتحرك، ولم ألبث قليلاً حتى أتى طائر آخر يحمل له الطعام في اليوم مرات، حتى يكتفي، فقلت في نفسي، إن الذي رزق هذا الطير في هذا المكان، قادر على أن يرزقني، وعدت من توي وألغيت رحلة التجارة.فقال إبراهيم ابن أدهم متعجباً: عجبت لك يا شقيق، لماذا رضيت لنفسك، أن تكون ذلك الطائر الكسيح الأعمى، الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض لها أن تكون ذلك الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه وعلى غيره من العميان والمقعدين، لماذا اخترت هذا الطائر مثلاً أعلى لك، ولم تختر الطائر الثاني الذي يسعى ويكسب رزقه ويطعم هذا الطائر الأعمى الكفيف ؟.. أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى.فقام شقيق، وقبل يده، وقال أنت أستاذنا يا إسحاق، وعاد إلى تجارته.
ومن الناس من يدع العمل بحجة التبتل لطاعة الله عز وجل، والانقطاع الكامل لعبادته التي من أجلها خُلق الإنسان، فلا يجوز في نظر هؤلاء أن يشتغل الإنسان بحظ نفسه عن عبادة ربه، ولابد عندهم من التفرغ التام لعبادته كالرهبان في الأديرة، والعبَّاد في الخلوات. هؤلاء الذين يفهمون هذا الفهم الخاطئ، ويظنون أن الإسلام قعود وكسل، هؤلاء غاب عنهم أنَّه قال عليه الصلاة والسلاملا رهبانية في الإسلام)[ أحمد عن طاوس
وغاب عنهم كثرة الاقتران بينَ العبادةِ والعملِ في نصوصِ القرآنِ الكريم ومن ذلكَ قولُه تعالى:" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين" (البقرة:198) .يقولُ ابنُ عباسٍ رضي اللهُ عنه:" كانوا يتّقونَ البيوعَ والتجارةَ في المواسمِ والحجِ، يقولونَ: أيامُ ذكرٍ، فأنزلَ اللهُ: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم"
والعمل الدنيوي، العمل الحرفي إذا أُتقن، وصحت فيه النية، وروعيت فيه أحكام الإسلام، هو عبادة في نفسه، وأن سعي الإنسان على معاشه؛ ليعفَّ نفسه، أو يعول أهله، أو يُحسن إلى أرحامه وجيرانه، أو يعاون على عمل الخير، ونصرة الحق، إنما ذلك ضرب من الجهاد في سبيل الله، ولهذا قرن الله بينهما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ سورة المزمل : 20]
وفي أخبار سيدنا عيسى عليه السلام أنَّه لقي رجلاً يتعبد فسأله ما تصنع فقال أتعبد قال ومن يعولك قال أخي قال وأين أخوك قال في مزرعة له فقال سيدنا عيسى أخوك أعبد لله منك " وقال أبو قلابة لرجل لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ -رحمه الله-: "لَيْسَ الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا أَنْ تَصُفَّ قَدَمَيْك وَغَيْرُك يَقوتُ لَك، وَلَكِنْ ابْدَأْ بِرَغِيفِك فَاحْرُزْهُمَا ثُمَّ تَعَبَّدْ".
وسئل إبراهيم النخعي أحد أئمة التابعين عن التاجر الصدوق أهو أحبُّ إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحبُّ إلي؛ هو في جهاد، يأتيه الشيطان عن طريق المكيال والميزان، ومن قِبل الأخذ والعطاء فيجاهده. وكان الإمام الشعراني وهو من دعاة التصوف، كان يفضل الصناع على العبَّاد، لأن نفع العبادة مقصور على صاحبها، وأما نفع أصحاب الحرف، فنفعها لعامة الناس، بشرط أن ينوي بها صاحبها خدمة المسلمين، وتحقيق مصالحهم، والتخفيف من أعبائهم وتبعاتهم، وكان يقول:" ما أجمل أن يجعل الخياط إبرته سبحته، وأن يجعل النجار منشاره سبحته "  إذاً من كان عمله وفق منهج الله، وفي طاعة الله، ولخدمة المسلمين، وإتقان صنعتهم، وتحرير نواياهم، وطلب خدمة الآخرين، هذه عبادة من أجلِّ العبادات.وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَيَعْمَلُونَ فِي نَخْلِهِمْ، وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ0
 
 ومن الناس من يدع العمل استهانة به، واحتقاراً له، كما كان الحال عند العرب في الجاهلية، الذين يحتقرون الحرف والعمل اليدوي، حتى أن أحد الشعراء كان يهجو غريمه بأن أحد أجداده كان حداداً، فكأنما وضع بهذا وصمة عار على جبين القبيلة إلى الأبد فلما جاء الإسلام بدل هذه المفاهيم المغلوطة، ورفع من قيمة العمل أياً كان نوعه، وحقَّر من شأن البطالة، والاتكال على الآخرين، وبيّن لهم أن كسب الحلال عمل شريف، وأن نظرة بعضهم إلى العمل، تلك النظرة التي تنطوي على الاستهانة، هذه نظرة خاطئة، ولا أصل لها فسيدنا ابن مسعود كان يعمل بيده، وكانت يده خشنة من عمله القاسي رفعها النبي يوماً أمام أصحابه وقال :إن هذه اليد يحبها الله ورسوله )) ورد في الأثر )  وكان عمر بن الخطاب يقول:" إني لأرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني
وروى الإمام البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِيَ أَمْ مُنِع )البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ]
 بيّن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث الشريف أن حرفة الاحتطاب، على ما فيها من مشقة، وعلى ما يَحوطها من نظرات الازدراء، وعلى ما يُرجى منها من ربح ضئيل، خير ألف مرة من البطالة وتكفف الناس.
 
وكانت امْرَأَةٌ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ وتُنظِّفه، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالُوا: مَاتَت، قَالَ: "أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي" يقول الراوي: فكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أي أنها أقل من أنْ يُصلي عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِها" فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا. إنه يُعلِّمُنا صلى الله عليه وسلم، أنه لا يجوز لمن يخدمُ دينَه ومُجتَمَعه، أنْ يُحتَقَر ويُزْدَرى، مهما كانت مِهْنتُه، ومهما كانت جِنْسيَّته ولونه. هذه المساجد التي نحن فيها، والبيوتُ التي نسكنها، والمصانعُ والفنادقُ والْمُؤسَّسات، مَنِ الذي شيَّد بناءَها وعمرها؟ أليسوا هم أولئك الذين يزدريهم بعضُ الناس؟ ويزدري مِهْنتهم ووظيفتهم؟ألا يستحق هؤلاء الرِّجالُ الأبطال، أنْ ننظر إليهم نظرةَ إكبارٍ وإجلال، وأنْ يستفيد شبابُنا من خِبْراتهم، ويعملوا مثل أعمالهم أو بعضَها؟وهذه امرأةٌ طلَّقها زوجُها، بعد أنْ كبُر سنُّها وكثُّر أولادُها، فضاق بها الحال، وأرهَقَها صياحُ العيال، ولا دخلَ لديها ولا مال، فهل تَكُونُ حبيسةَ الجُدران، عالةً على الأقاربِ والجيران، غارقةً في الهموم والأحزان؟لا، بل شقَّتْ طريق حياتِها بنفسها، مُعتمدةً على ربِّها، أدارتْ ظهرها نحو ماضيها، فاسْتغلَّتْ آلةَ خياطتِها، واسْتثمرتْ خِبْرتَهَا في إعْدادِ طعامِها، فأنْتَجَتْ أصْنافاً من الطعامِ والشراب، وصنَعَتْ شتَّى أنواعِ الأرْديةِ والثياب، فاغْتنت بعد فقرها، وعزَّتْ بعد ذُلِّها، وصانت وجهها وحفظتْ كرامتها. فأين أنتم -معاشر العاطلين- من هذه المرأة؟ أين مَن يقول بأنَّ الأبواب أُغلقت في وجهي، والوظائفَ أُخذت كلَّها عنِّي؟إلى متى وأنتم عالةٌ على آبائكم؟ إلى متى وأنتم تمدُّون أيْدِيَكم إلى أهليكم؟ ألم تبلغوا في السنّ مبلغ الرجال؟ فإلى متى وأنتم على هذا الحال؟ فدعوا الخمول والكسل، وقوموا للجدِّ والعمل
 
ولماذا ياإخوة تظلُّ نظراتُنا دونيَّةً ازدرائيةً نحو الحِرَفِ اليدويةِ؟! سبحان الله العظيم! إن من الخطأ القبيح ما يتصوره بعض الناس أن المهن الحرفية من المهن الدنيئة المنحطة التي لا تليق بالرجل الكريم، العمل المباح شَرَفٌ لصاحبه لا يُزرى به؛ بل يكرمه ويعلي مكانته عند الله تعالى ثم في أعين الناس، كيف؛ وهذه المهن من فروض الكفاية على المسلمين؟. فهذا الإنسان الجليل الذي يعمل في رفع القمامة ويميط الأذى، ويكنس الطريق، هل يصحُّ أن يُقال عنه: إنه إنسان ممتهن وضيع؟ لو أضرب عُمَّال النظافة عن العمل، كيف ستغدو شوارعنا؟ وكم سنشعر بأهمية هذه المهنة الشريفة على مجتمعنا. لو أن صنابير المياه اختلَّتْ، أو الأدوات الكهربائية المنزلية تعطَّلتْ، أو الأبواب والشبابيك والأقفال عَطَبتْ، مَن ذا سيصلحها؟ إنْ لم يكنْ إنسانًا حرفيًّا يستنفع لنفسه وينفع الآخرين؟ نحن الآن نصلِّي في هذا الجامع المبارك، فمن الذي بنى أركانه، ودهن جدرانه، ونَجَر أبوابه، وركَّب أنواره، أليسو حِرَفيِّين؟!. دعني يا أخي أسألك عن هذا الخبز الذي تتمتَّعُ بأكله، وتَحْمَدُ اللهَ على هذه النعمة، ربما تهكَّمْتَ على صانع الخبر أن مهنته وضيعة. أتدري يا هذا، كم من أصحاب الحرف والمهن اشتركوا في صناعة الرغيف؟ فلاحٌ بَذَر، وآلةٌ حَصَدتْ، ومَصْنعٌ طَحَن، وسيارةٌ نقلتْ، ومستودعٌ خزَّن، وعجَّانٌ عَجَن، وفرَّانٌ خَبَز؛ أليس هؤلاء شرفاءَ عملوا من كسب أيديهم، وقدَّموا لك خبزًا طَازَجًا شهيًّا، لو غاب عنك فترة أو غلا سعره لقامتْ ثورة الخبز المعروفةُ بين الشعوب؟. إذن -أيها الإخوة- قضية هناك مهنٌ فَوْقِيةٌ، مهنٌ تحتية، هذا ليس في ديننا، ففي الإسلام عمل حلال وعمل حرام.

 ومن الناس أيضاً من يدع العمل والسعي في مناكب الأرض اعتماداً على التسول والمسألة ومساعدات الآخرين والأخذ من الزكاة.وربما يُفضل أحدهم سؤال الناس عن أن يعمل بيده عملاً، يعدُّه غير لائق به والذين رأوا أن في أخذ أموال الناس راحةً لهم، لماذا يعملون ؟ هناك من يعطيهم، هناك من يدع العمل والسعي في مناكب الأرض اعتماداً على مساعدات الآخرين، التي تُجبى إليهم، من دون تعب ولا عناء، وفي سبيل ذلك يستبيح مسألة الغير ومدّ يده إليه، على ما فيها من ذل النفس، وإراقة ماء الوجه، هذا مع أنه قوي البنية، سليم الأعضاء، قادر على الكسب، كأكثر الذي نشاهدهم من المتسولين، وكأكثر الذين نجدهم عند الملوك والأثرياء يتضعضعون أمامهم، ليكسبوا من أموالهم، من المستجدين، والمدَّاحين، وطالبي المنح والعطايا، هؤلاء قد بيّن الإسلام أنهم ليسوا أهلاً للزكاة ولا لغيرها من الصدقات، ما داموا أقوياء مكتسبين، أو مستطيعين للكسب. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ)[الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوالمرة: هي القوة، والسوي: سوي الأعضاء وفي حديث آخر .  لا حظ فيها (فى الزكاة والصدقة) لغني ولا لقوي مكتسب[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو   
 
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء فعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ يَسْأَلُهُ شَيْئًا))النسائي عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو
وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ [ متفق عليه عن ابن عمر
وروى الإمام أحمد عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْئًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) أحمد عن ثوبان ]
 وروى ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ  مسلم عن أبي هريرةمعنى سأل الناس تكثراً: أي ليكثر ماله، لا لضرورة ألجأته إلى السؤال. وروي أيضاً من حديث عبد الرحمن بن عوف: ( وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ))أحمد عن عبد الرحمن بن عوف وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ))[ متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر
 
والقصة التي تعرفونها جميعاً، أن الصديق رضي الله عنه كان يركب ناقته وقد وقع زمامها على الأرض، فنزل من على ظهر الناقة ـ وليس من السهل أن تنزل عن ظهر الناقة ـ ليتناول زمام ناقته، وحوله أصحابه فتعجبوا، نكفيك ذلك !! قال سمعت حبيبي رسول الله يقول: " لا تسألوا الناس شيئاً":                                                                             لا تسألـــن بني آدم حاجــة  وسل الذي أبوابه لا تُحجبُ
الله يغضب إن تركت سؤاله  وبني آدم حين يُسأل يغضب
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه ينادي مناد يوم القيامة أين بغضاء الله في أرضه فيقوم سؤال المساجد فهذه مذمة الشرع للسؤال والاتكال على كفاية الأغيار
 
مسألة الناس ظلم في حق الربوبية وفي حق المسؤول وفي حق السائل :روى أبو داود والنسائي والترمذي عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ - لأن الله وكله بالرعية، وكله بالإنفاق عليه، وكله بمعالجة مرضاهم، وكله بتأمين الأعمال لهم، أولي الأمر يُسألون لأن هذه مهمتهم- إلا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَان أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا ))[أبو داود والنسائي والترمذي عَنْ سَمُرَةَ]
ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن مسألة الناس ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤول، وظلم في حق السائل، أما التفاصيل فهي كما يلي: إما أنها ظلم في حق الربوبية، فلأن السائل بذل سؤاله وعرض فقره وعرض ذله واستعطاءه لغير الله، وهذا نوع من العبودية وضعها في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه.
 
وأما أن السؤال ظلم في حق المسؤول فقد عرضه لمشقة البذل، أو للوم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهة، وإن منعه منعه على استحياء وإغماط وقد ظلم المسؤول.
 
وأما أنها ظلم في حق السائل فهو ظلمه لنفسه، فلأنه أراق ماء وجهه وذله لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالين، ورضي بإسقاط شرف نفسه، وعزة تعففه، وباع صبره ورضاه وتوكله واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عين ظلمه لنفسه.
فالإنسان حينما يسأل الله من فضله، وحينما يرجوه في قيام الليل:" إذا كان ثلث الليل الأخير، نزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينفجر الفجر " فلو سألت الله مباشرةً أن يرزقك طيباً وأن يستعملك صالحاً، الله جل جلاله أجلّ وأكرم من أن يخيب ظنك :" أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما يشاء" شاب في مقتبل العمر، لو سأل الله من فضله، لو سأل الله عملاً يدر عليه بعض المال يتزوج به، لو سأل الله حرفة، لو سأل الله وظيفةً، لو سأل الله عملاً يرتزق منه، الله يسمعه، ويستجيب له، ويكرمه بشرط أن يوحده، وأن يقطع أمله من الناسفكل إنسان يشكو من ضيق ذات يده، عليه أن يراجع نفسه، عليه أن يستقيم مع ربه، وعليه أن يسأل الله وحده، فالله جل جلاله لا يخيب ظنه، ويُعاب أن تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.
أيها المسلمون: إن مما تفشى في هذه الأزمانِ كثرةُ التسولِ والسؤالِ في الطرقاتِ والمساجدِ وفي غيرِها، وفي أولئكَ القومُ الأصحاءُ الأقوياءُ الأغنياءُ، وفيهم الضعفاءُ والمرضى والفقراءُ، وإن مما ينبغي أن يُعلمَ نهيُ الإسلامِِ عن التسولِ والمسألةِ، لما فيها من ضررٍ وخطورةٍ وفسادٍ على صاحبِها، وما فيها من هضمٍ لحقوقِ الآخرينَ في المجتمعِ، قالَ أبو حامدِ الغزاليِ – رحمه اللهُ - : " السؤالُ حرامٌ في الأصلِ، وإنما يُباحُ لضرورةٍ أو حاجةٍ مهمةٍ قريبةٍ من الضرورةِ، وإنما قُلنا إن الأصلَ فيه التحريمُ لأنه لا يَنفكُ من ثلاثةِ أمورٍ محرمةٍ: الأولُ: إظهارُ الشكوى من اللهِ تعالى، إذ السؤالُ إظهارٌ للفقرِ، وذكرٌ لقصورِ نعمةِ اللهِ تعالى عنه، والثاني: أن فيه إذلالُ السائلِ نفسَهُ لغيرِ اللهِ تعالى، وليسَ للمؤمنِ أن يُذلِ نفسَه لغيرِ اللهِ إلا لضرورةٍ، الثالثُ: أنه لا يَنفكُ عن إيذاءِ المسئول غالباً .
 
والإسلام احترم العمل، وفَضَّله مهما كان حقيرًا أو دنيئًا في أعينِ الناس على المسألة والاستجداء، فالمسألةَ أدنى الدناءات.قال بَعْضُ السَّلَفِ: "كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ" ونُقِلَ عَنْ سيدنا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَنَقْلُ الصَّخْرِ مِنْ قمم الْجِبَالِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ يَقُولُ النَّاسُ لِي فِي الْكَسْبِ عَارٌ فَقُلْت الْعَارُ فِي ذُلِّ السُّؤَالِ
وجاءت ريح عاصفة في البحر فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم رحمه الله وكان معهم فيها أما ترى هذه الشدة فقال ما هذه الشدة وإنما الشدة الحاجة إلى الناس
 
و لقد كانَ النبي صلى اللهُ عليه وسلمَ يُوجهُ أصحابَه إلى العملِ، ويُجنبُهم البطالةَ والمسألةَ، فإذا جاءَ أحدُهم إليه صلى اللهُ عليه وسلمَ يسألُه مالاً، وكانَ قوياً على العملِ وجهَّه إلى العملِ وحثَّه عليه، وبيَّن له أن العملَ مهما كانَ محتقراً في أعينِ الناسِ فهو أشرفُ للإنسانِ من التسولِ والمسألةِ، ومما يُروى في ذلكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ (فقط ليس في بيته إلا حلس وقعب) (الحِلْسِ الذي يكون للبعير تحت البرذعة الحِلْسُ والحَلَسُ كلُّ شيء وَليَ ظَهْرَ البعير والدابة تحت الرحل والقَتَبِ والسِّرْج وهي بمنزلة المِرشَحة تكون تحت اللِّبْدِ وقيل هو كساء رقيق يكون تحت البرذعة والجمع أَحْلاس وحُلُوسٌ) وقَعْبٌ مِقْعارٌ : واسِعٌ بَعيدُ القَعْر والقَعْرُ جَوْبَةٌ تَنْجابُ من الأَرض وتنهبط يَصْعُب الانحدار فيها ِ) قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (استنبط العلماء أنه يجوز أن تبيع حاجة بمزايدة علنية، أو أن تشتري بمناقصة، وكلاهما جائز)قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ (لماذا ؟.. الإنسان لا يستطيع أن يعمل إذا كان أهله في ضائقة، إذا كان مضطرباً عليهم، إذا كان مشوشاً على وضعهم فمن أجل أن تُبدع، أو أن تنجز، أو أن تعمل، لابد من أن تكون مطمئناً على أهلك) وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ (فَقْر مُدْقِع أَي شديد )أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ (غُرْمٍ مُفْظِعٍ المُفْظِعُ الشديدُ الشنِيعُ أَي ذي حاجة لازمة من غَرامة مُثْقِلة وفي الحديث أعوذ بك من المَأْثَم والمَغْرَمِ ) أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ] دَمٍ مُوجِعٍ هو أَنْ يتحمل دِيةً فيسعى بها حتى يُؤَدِّيَها إِلى أَولياءِ المقتول فإِن لم يؤدِّها قُتِل المُتَحَمَّلُ عنه فَيُوجِعُه قَتْلُه)
) أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ والترمذيِّ وحسنَّه فلم يجعل النبي عليه الصلاة والسلام المتبطل الكسول، لم يجعل له حقاً من صدقات المسلمين، وذلك ليدفع القادرين إلى الكسب والعمل الشريف  وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ[ متفق عليه عن أبي هريرة
 
ورد في مجمع الزوائد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلين أتيا الرسول -صلى الله عليه وسلم- فسألاه، فقال: "اذهبا إلى هذه الشعوب فاحتطبا فبيعاه"، فذهبا فاحتطبا، ثم جاءا فباعا، فأصابا طعامًا، ثم ذهبا فاحتطبا أيضًا، فجاءا فلم يزالا حتى ابتاعا ثوبين ثم ابتاعا حمارين، فقالا: قد بارك الله لنا في أمر رسول الله. وفي الحديث دلالة على أهمية تشغيل العاطلين وإرشادهم إلى العمل.
 
أيها الشباب: أقول لكل من لم يستطع تحقيقَ حُلْمِه الآن: لا تيأسْ، وراجعْ نفسَك، وأعِدْ حساباتِك، وابدأْ عملَك ومشروعَك بجدٍّ وحيوية ونشاطٍ، وضعْ الإصرارَ أمام عينيك، وثِق بربِّك، وتوكَّلْ على مولاك، وسوف تحقق آمالك بحول الله وقوته ولك في قصص الناجحين عبرةٌ، دولةٌ ازدهر اقتصادُها بسبب صناعة وبيع لعب أطفال، وأخرى انتعش سوقُها بسبب جوالات، ورجلٌ صار وزيرًا بعد أن بدأ حياته صبيًّا يصنع القهوة ويبيعها(كوفي بوي)، ومطعمٌ عالميٌّ عابرٌ للقارات بسبب خلطةٍ سِرِّية، ومشروبٌ عالميٌّ يعمل في مصانعه أكثرُ من نصف مليونِ شخصٍ كانت بدايته صنع خلطة نكهة فواكه بماء الصودا، وهكذا.
المراجع
خطبة الأمل والعمل لوزارة الأوقاف المصرية
قيمة العمل بين بناة الأوطان ودعاة الهدم خطبة وزارة الأوقاف المصرية25 من ربيع أول 1436 هـ - 16 من يناير 2015م
المعجم الوسيط المؤلف / إبراهيم مصطفى ـ أحمد الزيات ـ حامد عبد القادر ـ محمد النجار تحقيق / مجمع اللغة العربية عدد الأجزاء / 2
[ لسان العرب ]المؤلف : محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري
[ القاموس المحيط]المؤلف : محمد بن يعقوب الفيروزآبادي
 
مجلة منبر الإسلام السنة    63      العدد 8شعبان 1425ه       سبتمبر-أكتوبر 2004م
مجلة منبر الإسلام السنة    65      العدد 6 جمادى الاخرة1427ه         يوليو 2006م
مجلة منبر الإسلام السنة    66      العدد 6 جمادى الاخرة1428ه   يونيه يوليه2007م
مجلة منبر الإسلام السنة    67      العدد 5 جمادى الأولى1429ه          مايو 2008م
مجلة منبر الإسلام السنة    67      العدد 6 جمادى الاخرة1429ه       يونيه 2008م
مجلة منبر الإسلام السنة    67      العدد 7 رجب 1429ه                    يوليو2008م
مجلة منبر الإسلام السنة    68      العدد 3 ربيع الأول 1430ه            مارس 2009م
خطبة الجمعة ( معالجة الفقر في المجتمع الإسلامي طريق العمل1 ).لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
خطبة الجمعة معالجة الفقر في المجتمع الإسلامي عن طريق العمل2لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
فضيلة العمل والكسبِ في الإسلام ونداءٌ للشباب بترك البطالة والكسل الشيخ أحمد بن ناصر الطيار
إحياء علوم الدين للغزالي كتاب آداب الكسب والمعاش وهو الكتاب الثالث من ربع العادات
خطبة بعنوان: أهمية العمل وأثره في بناء اقتصاد الأفراد والمجتمعات د / خالد بدير بدوي
حتَّى تَكُونَ مُوظَّفًا مِثَالِيًّا وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عمان
عناية الإسلام بالمهن والحرف الشيخ / بلال بن عبد الصابر قديري
مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام للدكتور يوسف القرضاوى
من وصايا القران الكريم ج1 للشيخ محمد عبد العاطى بحيرى
كف ذي الجزالة عن مواقعة البطالة الشيخ / عبد الله البصري
"العملُ والكسبُ في الإسلامِ" الشيخ أحمد بن حسين الفقيهي
نعم المال الصالح للرجل الصالح الشيخ: د. سعود الشريم          
العمل وذم البطالة للشيخ عبد الكريم بن صنيتان العمري
مكانة العمل وآدابه في الإسلام الشيخ حسان العماري
لا للبطالة.. نعم للعمل الشيخ / ناصر العلي الغامدي
 حقوق العمال وآداب العمل الشيخ حسان العماري
العمل والكسب الشيخ /عثمان بن جمعة ضميرية
العمل باليد للشيخ عبد الرحمن بن علي العسكر
قطوف وكلمات دكتور/ بدر عبد الحميد هميسه
أضرار الكسب الحرام الشيخ عبد الله الطريف
فضل العمل والتكسب الشيخ عبد الله الطريف
البطالة الشيخ محمد بن مبروك البركاتي
الكسب الطيب  للشيخ منديل الفقيه
 
 
 



تم تحرير المشاركة بواسطة : الشيخ سعد الشهاوى
بتاريخ: 15-01-2015 02:00 صباحا


















توقيع : الشيخ سعد الشهاوى
عاشق الحرمين

معلومات الكاتب
look/images/icons/i1.gif خطبة قيمة العمل فى الإسلام للشيخ سعد الشهاوى
15-01-2015 02:19 صباحا مشاهدة مشاركة منفردة [2]
عضو متميز
rating
رقم العضوية : 1180
الحالة : offline
المشاركات : 119
الجنس : ذكر
الزيارات : 335
قوة السمعة : 23
الوظيفة : امام وخطيب



تنبيه هام معذرة مشايخى الكرام تنبيه حديث روى ابن عباس أن داود كان زرادا ( يصنع الزرد والدروع ) وكان آدم حراثا وكان نوح نجارا وكان إدريس خياطا وكان موسى راعيا أخرجه الحاكم
حكم عليه الشيخ الألباني بأنه ( موضوع ) غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام المؤلف : محمد ناصر الدين الألباني

















توقيع : الشيخ سعد الشهاوى
عاشق الحرمين


لا يمكنك الرد على هذا الموضوع لا يمكنك أضافة موضوع جديد

المواضيع المتشابهه
عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
الجزءالأول من خطبة الجمعة القادمةإن شاء الله قيمة العمل فى الإسلام للشيخ سعد الشهاوى الشيخ سعد الشهاوى
6 779 الشيخ سعد الشهاوى
خطبة قيمة العمل فى الإسلام كاملة للشيخ سعد الشهاوى الشيخ سعد الشهاوى
1 400 الشيخ سعد الشهاوى
خطبة صوتية ( قيمة العمل - وثقافة الاعتصامات) عبدالله ابراهيم
2 473 عطيه ماهر
قيمة العمل في الإسلام للشيخ أحمد عبد النبي Tiger
0 427 Tiger

الكلمات الدلالية
خطبة ، قيمة ، العمل ، الإسلام ، للشيخ ، الشهاوى ،

« خطب شهر ربيع الآخر 1346هـ | خطبة قيمة العمل فى الإسلام كاملة للشيخ سعد الشهاوى »

 







الساعة الآن 04:18 مساء